للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

ونوقش هذا من وجهين:

الوجه الأول:

هذه الأحاديث لم تسق في معرض بيان الفرق بين المسافر والمقيم حتى يمكن الاستدلال بها على مسألة إقامة المسافر، خاصة أن هذه الإقامة حدثت في سفر النبي ، ولم تمنع من الترخص.

قال ابن تيمية: «ليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر والمقيم، بل المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء المناسك. فعلم أن الثلاث مقدار يرخص فيه فيما كان محظور الجنس. قال : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج) (١).

وقال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (٢)» (٣).

فلا يقاس ما كان جنسه محظورًا، فأبيح القليل منه، على حكم القصر، وهو مسنون، فالمقيم لا يجوز له القصر، ولو كان فرضًا واحدًا، فلما استحب القصر للمسافر مع الإقامة العارضة دل على قيام سببه، وهو السفر، ولا يقطعه إلا الرجوع إلى بلده، أو نية الإقامة الدائمة.

الوجه الثاني:

أن هذا الحكم خاص من حيث الأشخاص بالمهاجر بخلاف غيره فيباح له الإقامة بمكة أكثر من ثلاث، وخاص من حيث المكان بمكة، فلا يشمل غيرها، وخاص من حيث الزمن بعد الفراغ من النسك، فلو قدم المهاجر للحج قبل الموسم بشهر وبقي إلى الموسم لم يمنع من البقاء في مكة، فلا يصح تعميم ما كان خاصًّا بالأشخاص والزمن والمكان على جميع المسافرين ولجميع الأماكن، فالحكم لا علاقة له بتحديد مدة الإقامة المانعة من الترخص، وإنما رخص لهم بالثلاث بعد الفراغ من النسك؛ لأنها مظنة قضاء الحاجة، والتهيؤ للسفر.


(١) صحيح البخاري (١٢٨١)، صحيح مسلم (٥٨ - ١٤٨٦).
(٢) صحيح البخاري (٦٠٦٥)، صحيح مسلم (٢٣ - ٢٥٥٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٣٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>