المسيب قال: من أجمع إقامة أربع ليالٍ، وهو مسافر أتم الصلاة. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي (١).
فما كان للإمام مالك أن يحتج بقول سعيد بن المسيب، وهو من سادة التابعين لو كان في الباب سنة أو أثر صحيح.
وحاول ابن العربي توجيه احتجاج مالك في قول ابن المسيب، فقال:«سعيد بن المسيب صحب سبعين بدريًّا، ومن الصحابة جملة وافرة، ووعى علمًا كثيرًا فأفتى بهذه الفتوى، ولا يقتضيها النظر، ولا يعطيها القياس، فكانت حجة على ما أشرنا إليه من أصله، والله أعلم»(٢).
يريد أن يقول: إن قول سعيد لا يعرف بالرأي، فله حكم الرفع.
وهذا التوجيه ضعيف، لأن التابعي إذا قال قولًا مما لا مجال للرأي فيه ليس له حكم الرفع، وإنما هذا خاص في قول الصحابة، كيف وقول سعيد بن المسيب مخالف لما جاء عن ابن عمر وابن عباس، وعلي ﵁ كما تقدم بيانه في المسألة التي قبل هذه، والله أعلم.
الوجه السادس:
أن أنس بن مالك جعل إقامة النبي ﷺ في المشاعر كلها التي حول مكة في حكم الإقامة في مكة، وكذلك نقل نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، وهو ظاهر النصوص أن الحرم كله مكان واحد، كما قدمت في المسألة التي قبل هذه.
(ح-٣٤٩٦) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال:
سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
فاعتبر أنس ﵁ مقام النبي ﷺ في المشاعر من الإقامة بمكة.
وروى مالك عن نافع، أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليالٍ يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته.
(١) الموطأ (١/ ١٤٩)، وعطاء الخرساني وثقه الإمام أحمد وابن معين والنسائي وأبو حاتم، وتكلم في حفظه، وقد تكلم في حفظه البخاري وشعبة، وقال الحافظ: صدوق يهم كثيرًا. (٢) القبس شرح الموطأ (ص: ٣٣٤).