أسفاره على إقامة أيام معلومة غير هذه السفرة التي قدم فيها مكة لحجة الوداع … » (١).
فإذا كان لا يعلم أن النبي ﷺ أزمع المقام في شيء من سفره إلا في حجته تلك، وقد قصر في هذه المدة، فما زاد فالأصل فيه الإتمام؛ لأن الأصل أن حكم الإقامة مخالف لحكم السفر؛ وقد أجمعوا أن المقيم يتم الصلاة، فنأخذ بما اجتمعوا عليه احتياطًا حتى يتبين حكم ما اختلفوا فيه.
وإنما لم يحسب يوم الدخول عند الشافعية وابن القاسم من المالكية؛ لأن النبي ﷺ كان شارف مكة اليوم الثالث، فبات قبل دخولها، والنهار لا اعتداد به عند العرب، فلما صلى الصبح دخل مكة، أو أن النبي ﷺ لما سار أول النهار حتى دخل مكة، والمسافر لا يستوعب النهار بالسير، إنما يسير في بعضه، وهو في يومي الدخول والخروج مسافر في بعض النهار، فكان في حكم المسافر فيهما، وليس في حكم المقيم.
ولأنه في يوم الدخول في شغل الحط وتنضيد الأمتعة، ويوم الخروج في شغل الارتحال، وهما من أشغال السفر.
فكان مقام النبي ﷺ في مكة على هذا التقدير: ثلاثة أيام، الخامس والسادس والسابع، ثم خرج في اليوم الثامن بعد أن صلى الصبح، وهو فيه في حكم المسافر، فلم يقم بمكة أكثر من ثلاثة أيام، فمن أقام مثل هذه المدة قصر الصلاة، ومن زاد عليه لزمه الإتمام احتياطًا.
ونوقش هذان الدليلان من وجوه:
الوجه الأول:
واضح من النصوص أن السفر على قسمين:
سفر حقيقي: وهو الرجل ما دام على جادة سيره. وهذا لا نزاع فيه.
وسفر حكمي، وهو: إعطاء حكم الإقامة حكم السفر، وهذا ثابت في الإقامة أربعة أيام من فعل النبي ﷺ في حجة الوداع.
فإذا ثبت السفر الحكمي في بعض الإقامة كالأربعة أيام فالأصل استصحابه فيما زاد على ذلك حتى يرجع إلى بلده أو ينوي الاستيطان الدائم، ولا يحكم بقطع السفر