وقلنا: قد ثبت أن الميراث مبني على الولاية واتفاق الملة، وهاهنا إن اتفقت ملتهم فقد انقطعت ولايتهم باختلاف الدارين، ألا ترى أنه يمنع قبول الشهادة؛ لأنها من الولاية، فيمنع التوارث أيضا، وما ذكر من العمومات لم يبق على عمومه بالإجماع؛ لخروج الرقيق والذمي والحربي؛ فيجوز أن يخرج من اختلف دارهم بالقياس.
وما ذكر ابن قدامة الحنبلي في المغني: فجعل أبو حنيفة ﵀ اختلاف الدار واتفاقها ضابطًا للتوريث وعدمه، ولا نعلم في هذا حجة من كتاب ولا سنة ضعيف؛ لأنا نقول: نعم أنت لا تعلم، ولكن أبو حنيفة ﵀ علم من إشارات النصوص والقياس عليها كما ذكرنا أن مبنى الميراث على الولاية واتفاق الملة، وقد عدم أحدهما.
وذكر في بعض شروح الفرائض: أن اختلاف الدار إنما يؤثر في حق الكفار لا في حق المسلمين، حتى يرث الباغي من العادل وعلى العكس وإن اختلفت مللهم ومنعتهم (١) إدخال المسلم في دار الحرب كحاله في دار الإسلام، والمسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون، ولهذا لو دخل مسلم دار الحرب بأمان ومات لم يرثه المسلم الذي في دارنا.
قال شيخي ﵀: هذا لا يكاد يصح؛ لما أن أبا اليسر ذكر في شرح فرائض المبسوط: المسلم لا يرث من المسلم الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، وكذا العكس، وإن كان المسلم الأصلي مستأمنا في دار الحرب؛ لأنه من أهل دار الإسلام، فاختلف بهما الداران، وهكذا ذكر في شرح فرائض السراجي لمصنفه.
وفي بعض شروح فرائض المبسوط لبعض المشايخ: وأما توريث المسلم الأصلي من المسلم المستأمن في دار الحرب باعتبار أنه من أهل دار الإسلام حكما وإن كان في دار الحرب حقيقة؛ لأنه إنما دخل في دار الحرب على سبيل العارية، فلم ينقطع حكم دار الإسلام، ولهذا لم تبن امرأته، ولو قتله مسلم تجب عليه الدية والكفارة، إليه أشار في الإيضاح.