للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الرَّجُلُ ثَقَلَهُ إِلَى مَكَّةَ وَيُقِيمَ حَتَّى يَرْمِيَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَمْنَعُ مِنْهُ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ شَغْلَ قَلْبِهِ (وَإِذَا نَفَرَ إِلَى مَكَّةَ نَزَلَ بِالمُحَصَّبِ) وَهُوَ الأَبْطَحُ، وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعِ قَدْ نَزَلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ، وَكَانَ

قولنا (١)؛ لحديث ابن عباس أنه استأذن رسول الله في البيتوتة بمكة في ليالي الرمي لأجل السقاية فأذن له (٢)، ولو كان واجبًا لما رخص له؛ إذ الواجب لا يسقط بالعذر كالحلق.

ولأن هذه البيتوتة غير مقصودة؛ بل هي تبع للرمي في هذه الأيام؛ إذ الرمي يسهل نهارًا فكان مرادًا لغيره فلم يكن من أفعال الحج كالبيتوتة بمزدلفة ليلة النحر؛ فلا يلزم بتركه دم إلا أنه يُكره تركها لمخالفة السنة.

وأما مطلق فعله؛ فغير موجب لِمَا عُرِف، وتأديب عمر لا يوجب البيتوتة كتأديبه عند تقديم الثَّقَل، مع أن تقديم الثقل لا يكره عند مالك.

قوله: "نسك " مسلم؛ لكن غير مقصود كما بينا فلا يوجب تركه دما.

(ثقله) - بفتح الثاء والقاف: متاع المسافر وأهله، والجمع أثقال.

(ولأنه) أي: تقديم الثقل يشغل (قلبه) فيمنعه من إتمام سُنّة الرمي، ولا يأمن أن يضيع شيء من أمتعته.

ولأنه قال: «المَرْءُ حيثُ رَحْلُهُ»، فاقتضى ظاهره أن تقديم رحله كخروجه بنفسه، وخروجه بنفسه مكروه. فكذا هذا.

وقال : «مَنْ قَدَّمَ ثَقَلَهُ فَلَا حَجَّ لَهُ» (٣)، أراد به نفي الفضيلة؛ لأن التفرغ إلى العبادة أقرب إلى الإخلاص.

قوله: (نزل بالمحصب) وهو موضع بقرب مكة ويقال له: (الأبطح) أيضًا، وهي أرض ذات حصباء، ويقال له: الخَيْف أيضًا وهو: فناء مكة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٤).


(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ١٥٩)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٤٣٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ١٥٥ رقم ١٦٣٤) من حديث عبد الله بن عمر واللفظ له. ولم أقف على حديث ابن عباس .
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/٢٩ رقم ١٥٣٩٢) موقوفا على عمر بن الخطاب .
(٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٢/٣٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>