وقيل: تقصر الصلاة في مسيرة بريد، وهو أحد القولين عن ابن تيمية، ونسب لابن عمر، ولا يصح عنه (١).
وقيل غير ذلك، حتى حكى ابن المنذر عشرين قولًا في المسألة (٢).
فرجع الخلاف إلى ثلاثة أقوال:
أحدها: التحديد بالمسافة أو بالزمن، على اختلاف بينهم في تقديرها، وهو القول المأثور عن الصحابة، وبه قال الأئمة الأربعة. والتحديد بالزمن لا يخالف التحديد بالمسافة؛ لأن معرفة المسافة عند الصحابة تقاس بزمن سير الإبل.
= أصحاب أحمد وغيرهم أنه يقصر في السفر الطويل والقصير؛ لأن النبي ﷺ لم يوقت للقصر مسافة ولا وقتًا، وقد قصر خلفه أهل مكة بعرفة ومزدلفة، وهذا قول كثير من السلف والخلف، وهو أصح الأقوال في الدليل، ولكن لا بد أن يكون ذلك مما يعد في العرف سفرًا». قول ابن تيمية: وهذا قول كثير من السلف والخلف يقصد ابن تيمية: القصر في عرفة ومزدلفة، والذي وقفت عليه أن الأئمة الأربعة متفقون أن العرفي لا يقصر في عرفة، والمزدلفي لا يقصر في مزدلفة، وكذلك جمهور الفقهاء يرون أن المكي لا يقصر في عرفة ومزدلفة ومنى، وأن القصر لا يكون في السفر القصير، لا فرق بين عرفة ومزدلفة وبين غيرها، واستثنى المالكية وحدهم القصر في عرفة ومنى بشرط ألا يكون من أهلها، وإنما اختلفوا في الجمع للمسافر، أيشترط أن يكون في سفر تقصر فيه الصلاة كما هو مذهب الشافعية والحنابلة، أم لا يجوز الجمع مطلقًا إلا في عرفة ومزدلفة، كما هو مذهب الحنفية، أم يكفي مطلق السفور، وهو الظهور بحيث يكون خارج المصر، كالتنفل على الدابة تجوز خارج المصر، ولو كان قريبًا، كما هو مذهب المالكية، والقديم من قولي الشافعي، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة؟ راجع -بوركت- مسألة الجمع في السفر القصير. ولم يقل أحد من فقهاء المذاهب الأربعة: يجوز القصر في السفر القصير إلا ابن قدامة حيث أطلقه، وقيده ابن حزم بمقدار الميل، وما نسب لبعض الصحابة لم يصح عنه. واشترط ابن تيمية أن يكون ذلك مما يعد في العرف سفرًا، فهذه ثلاثة أقوال ظاهرها أنها قول واحد، وهي مختلفة، فلو كان سفرًا طويلًا، وهو لا يعد في العرف سفرًا، لا يقصر عند ابن تيمية، ويقصر عند ابن قدامة وابن حزم، والله أعلم. ولأن اشتراط العرف في القول وصف يخرج بعض المسافات مما لا تعدُّ في العرف سفرًا، فكان قولًا مختلفًا. (١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٤٤، ٤٦)، جامع المسائل، ط: عطاءات العلم (٤/ ٣٣٣). (٢) انظر: الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٤٦)، فتح الباري (٢/ ٥٦٦).