وليس ذلك بخارج عن قول الجمهور كما أوضحته في المدخل، وسيأتي مزيد توضيح إن شاء الله تعالى.
وقيل: إذا خرج عن موضع سكناه، فمشى ميلًا فصاعدًا قصر الصلاة، وبه قال ابن حزم الظاهري (١).
وقيل: يجوز القصر في كل سفر، ولو كان قصيرًا، وهو اختيار ابن قدامة، ومال إليه النووي (٢).
وقيل: يجوز في كل ما يسمى سفرًا عرفًا طويلًا كان أم قصيرًا، وهو اختيار ابن تيمية (٣).
وهذا يختلف عن مذهب ابن قدامة، وبعض طلبة العلم يخلط بينهما (٤).
(١) المحلى، (مسألة: ٥١٣). (٢) جاء في المغني (٢/ ١٨٩): «والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه». قال ابن قدامة في المغني (٣/ ٣٦٦): «ويجوز الجمع لكل من بعرفة، من مكي وغيره … ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف في الجمع بعرفة ومزدلفة، بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره، والحق فيما أجمعوا عليه، فلا يعرج على غيره .... فأما قصر الصلاة، فلا يجوز لأهل مكة». فلماذا منع ابن قدامة على المكي القصر في عرفة، مع إباحته القصر لكل سفر طويلًا كان أم قصيرًا؟ أيعود ذلك إلى أن خروج المكيِّ إلى عرفة لا يسمى سفرًا عرفًا، فهو لم يقيد في نصه الأول القصر بما يسمى سفرًا عرفًا، بل أباحه لكل سفر، ولذلك لما نقله ابن تيمية، قال: وهو أصح الأقوال ولكن لابد أن يكون ذلك مما يعد في العرف سفرًا، أم أنه في هذا يقرر مذهب الحنابلة، وفي النص الأول كان يقدم رأيه مخالفًا رأي أصحابه، هذا هو الظاهر، والله أعلم؛ لأن الأصل أن ما يقدمه ابن قدامة لا يخرج عن مذهب الحنابلة، وإذا خالف أصحابه نصَّ على ذلك، فالظاهر أن ابن قدامة لا يشترط في جواز القصر قيد العرف. وقال النووي في المجموع (٤/ ٣٣٠): «فحصل أن النبي ﷺ لم يرد تحديد ما يقع عليه السفر بل أطلقه على ثلاثة أيام، وعلى يومين، وعلى يوم وليلة، وعلى يوم، وعلى ليلة، وعلى بريد، وهو مسيرة نصف يوم، فدل على أن الجميع يسمى سفرًا، والله أعلم». وقوله: (فدل على أن الجميع يسمى سفرًا) أي شرعًا، ولم يقيده بالعرف. (٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤٣)، مختصر الفتاوى المصرية، ط: ركائز (١/ ١٥٥). (٤) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى لما نقل رأي ابن قدامة (٢٤/ ١٥): «قال طائفة أخرى من =