فهذا الشغل من باب الضرورات، وليس المراد بالشغل اشتغاله بحاجاته.
وقال الموفق ابن قدامة:«ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا -يعني من الأسباب السابقة- وقال ابن شبرمة: يجوز إذا كانت حاجة أو شيء لم يتخذ عادة»(١).
وهذا النص من ابن قدامة يستفاد منه أمران:
الأمر الأول:
بيان أن أسباب الجمع في مذهب الإمام أحمد معدودة، لا يجوز الجمع في غيرها، ولو كان الجمع مما تبيحه الحاجة لكانت الحاجات غير محصورة.
الأمر الثاني:
أنه جعل جواز الجمع للحاجة قولًا لابن شبرمة، ولو كان يعرف أنه رواية عن الإمام أحمد لم يكتف في نسبته لابن شبرمة.
وقال في الإنصاف:«لا يجوز الجمع لعذر من الأعذار سوى ما تقدم على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب»(٢).
وقال ابن مفلح في الفروع:«واختار شيخنا -يعني: ابن تيمية- الجمع لتحصيل الجماعة … ولخوفِ تحرجٍ في تركه، أي: مشقة»(٣).
ولو كان الجمع للحاجة رواية عن أحمد لذكره ابن مفلح رواية، فهو من أعلم أهل عصره بروايات الإمام أحمد، فكونه ينسب الجمع للمشقة لشيخه تقي الدين فهذا دليل على أنه ليس رواية عن الإمام أحمد.
فالمرض والشغل الذي نقله ابن مشيش عن أحمد كانا مثالين لجمع الضرورة، وليس لجمع الحاجة.
وكيف يكون الجمع في مذهب أحمد يجوز دفعًا للمشقة، وقد نص الإمام على أنه لا يجمع للمطر في الظهرين كما مر معك.
وأسقط الحنابلة الجمعة والجماعة لغلبة النعاس ولم يجعلوه سببًا يبيح الجمع