ومن بعدهم قال بجواز الجمع بلا سبب ابن المنذر، وهذا تستطيع أن تجزم بنسبة القول إليه، ولكنه بناه على صحة نسبة القول به لمن سبقه، قد صرح بمذهبه في كتابه الأوسط، لكن ابن المنذر متأخر؛ لأنه متوفى في القرن الرابع سنة: ٣١٩ هـ (١).
جاء في الأوسط لابن المنذر:«قالت طائفة: الجمع بين الصلاتين في الحضر مباح، وإن لم تكن علة، قال: لأن الأخبار قد ثبتت عن رسول الله ﷺ أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأُدِّي إلينا ذلك كما أُدِّي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد ثبت عن ابن عباس الراوي بحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر لما سئل، لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته»(٢).
= إذا كان أرفق به أن يجمع بين الصلاتين جمع بينهما في وسط الظهر. قال أشهب وسحنون: يجمع بينهما في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر». فلو كان يرى الجمع في وقت إحداهما بلا سبب لقال ذلك أيضًا في حق المريض من باب أولى، فإذا كان أشهب يرى للمريض أن يتحرى في الجمع الوقت المشترك بينهما، فما ظنك بمن يريد الجمع بلا سبب. والله أعلم. والناس ينقلون عن الباجي وابن رشد ثقة بفهمهم دون الرجوع إلى كلام أشهب، كما رأينا كيف يتتابع الناس على نسبة القول بجواز الجمع بلا عذر لابن سيرين، مع أن المسند عنه خلاف ما نقلوه. وانظر: المنتقى للباجي (١/ ٢٥٣)، التبصرة للخمي (٢/ ٤٥٠، ٤٥١)، شرح التلقين (٢/ ٨٢٩)، التوضيح لخليل (١/ ٢٥٩)، مواهب الجليل (١/ ٣٩٠). وعن أشهب قول آخر، حكاه في لوامع الدرر (١/ ٦١٨): «قال أشهب في الموازية فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق: إنه يعيد أبدًا». هذا تحقيق ما نسب لأشهب من جواز الجمع بلا سبب، وهو جمع صوري، ولهذا جوزه اللخمي في التبصرة، واستحسنه (٢/ ٤٥١) .. (١) الأوسط لابن المنذر (٢/ ٤٣٠). (٢) الأوسط لابن المنذر (٢/ ٤٣٠). وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٢٦٥): «وكان ابن المنذر يقول ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث». قلت: لم يسم ابن المنذر هذه الطائفة التي ترى الجمع بلا سبب، ولعله يريد بذلك ابن سيرين، وربيعة وأشهب، وقد تبين لك أن أشهب لا يصح عنه، وابن سيرين يشترط حاجة ما، وربيعة =