ومسلمًا من طريق صالح بن كيسان، كلاهما عن الزهري قال:
أخبرني أنس بن مالك الأنصاري … أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا، وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ، فنكص أبو بكر على عقبيه؛ ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي ﷺ: أن أتموا صلاتكم. وأرخى الستر فتوفي من يومه (١).
فهذا أبو بكر شرع في التراجع للوصول إلى الصف بمجرد أن كشف النبي ﷺ الستر، وفي آخر يوم من حياة النبي ﷺ، فلو كان أبو بكر هو الإمام للنبي في الصلوات التي صلاها النبي ﷺ مع الناس في مرضه لما تراجع بمجرد كشف الستر.
ويرد هذا الجواب:
بأن رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس في الصحيحين تدل على أن النبي ﷺ كشف الستر بعد إقامة الصلاة، وقبل الشروع فيها.
(ح-٣١٤٠) فقد رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز،
عن أنس قال: لم يخرج إلينا نبي الله ﷺ ثلاثًا، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه. فلما وضح لنا وجه نبي الله ﷺ ما نظرنا منظرًا قط كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا. قال: فأومأ نبي الله ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، وأرخى نبي الله ﷺ الحجاب، فلم نقدر عليه حتى مات (٢).
قال الحافظ ابن رجب: «وهذا الحديث قريب من حديث الزهري عن أنس الذي قبله، وفيه: التصريح بإيماء النبي ﷺ إلى أبي بكر أن يتقدم، ويؤم الناس، ولكنه يوهم أن
(١) صحيح البخاري (٦٨٠)، وصحيح مسلم (٩٨ - ٤١٩). (٢) صحيح البخاري (٦٨١)، وصحيح مسلم (١٠٠ - ٤١٩).