للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: مِنْ الناس من يقول: كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله في الصف، ومنهم من يقول: كان النبي المقدم (١).

وإذا كان الصحابة قد اختلفوا، وهم شهود على الواقعة، ولم تكن عائشة شاهدًا على القصة، وإنما أخذته من حكاية الناس، وقد نقلت اختلافهم، كان قولها بأن الإمام أبو بكر ليس قاطعًا، ولو كان ما ترويه عائشة عن مشاهدة لما أطلقت الخلاف قائلة: (من الناس من يقول هذا، ومن الناس من يقول ذاك)، ولصرحت بوهم من خالف ما رأته بعينها، كعادتها إذا قال أحد من الصحابة قولًا يخالف ما تجزم به، ولو كان عن اجتهاد منها، فكيف لو كان يخالف ما وقفت عليه حسًّا.

فالمقطوع به أن أبا بكر قد بدأ الصلاة إمامًا، ثم اختلفت الرواية، أبقي إمامًا أم انتقل إلى الائتمام، فيستصحب بقاؤه إمامًا حتى نتيقن انتقاله بنص لا نزاع فيه ثبوتًا ودلالة، ومع هذا الاختلاف الشديد، لا سبيل إلى الجزم بانتقال أبي بكر إلى الائتمام، فلا يترك المتيقن إلى المتنازع فيه.

ورد هذا:

قال ابن عبد البر: «أكثر الآثار الصحاح المسندة في هذا الباب أن رسول الله كان المقدم، وأن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله قائمًا، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، وهو الذي أقره مالك في الموطأ، وقرئ عليه إلى أن مات» (٢).

وقال ابن عبد البر أيضًا: «أكثر أحوال حديث عائشة هذا عند المخالف أن يجعل متعارضًا؛ فلا يوجب حكمًا، وإذا كان ذلك كذلك، كانت رواية ابن عباس تقضي على ذلك، فكيف ورواية من روى أن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، فيها بيان، وزيادة يجب قبولها، وهي مفسرة، ورواية من روى أن أبا بكر كان المقدم مجملة، محتملة للتأويل؛ لأنه جائز أن تكون صلاة أخرى، ولو


(١) صحيح ابن خزيمة (٣/ ٥٥)، السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١١٧).
(٢) التمهيد، ت بشار (٤/ ١٣٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>