= الكبير (٢/ ٤٦): «لم يذكر أبو إسحاق سماعًا منه». يعنى من أرقم. ولم يتعقبه ابن المديني، فكأنه ارتضاه؛ لأنه اعتبره خدشًا. وقول البخاري: (لم يذكر سماعًا) أهو إعلال بالتدليس، أم هو نفي لمطلق السماع؟. ظاهر فعل أبي زرعة العراقي أنه حمله على نفي مطلق السماع، حيث نقل كلام البخاري في تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (ص: ٢٤٦) في ترجمة أبي إسحاق ضمن سياق من لم يثبت له سماع منهم، فيكون منقطعًا بصرف النظر عن صيغة التحمل. وإذا لم يثبت لأبي إسحاق مطلق السماع من أرقم، فهذه علة مؤثرة، فيكون الإسناد منقطعًا، وإن كان رجاله ثقات، ومتابعة ابن أبي السفر بإسناد ضعيف، فيكون الحديث قد يبلغ به الحديث الحسن لغيره عند من يقوي الحديث الضعيف بالمتابعات، في غير ما تفرد به. وإن حملناه على الإعلال بالتدليس؛ لقول البخاري في ترجمته: (سمع من ابن مسعود، وروى عنه أبو قيس وأبو إسحاق) فإذا صرح إمام كالبخاري على إعلاله بالتدليس؛ لكونه لم يذكر سماعًا، فالعلماء إذا أنكروا المتن حملوا ذلك على علة التدليس، وأظن أن اللفظ المنكر في الحديث هو ما تفرد به من كون النبي ﷺ بنى على قراءة أبي بكر؛ لأن هذا اللفظ لم يرد مسندًا إلا من هذا الطريق. وهذا ما أشار إليه البزار، قال في مسنده (٤/ ١٢٧): «ولا نعلم روي هذا الكلام إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد». وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: «هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن أبا إسحاق السبيعي اختلط بأخرة، وأيضًا كان يدلس، وقد رواه بالعنعنة، لا سيما وقد قال البخاري: لم يذكر أبو إسحاق سماعًا من أرقم بن شرحبيل». قلت: وسماع إسرائيل وإن كان بآخرة إلا أنه ثقة فيما يرويه عن جده، والله أعلم. ومما يدل على أن كلام البخاري المراد منه نفي مطلق السماع؛ أن هذا الحديث لو كان مراد البخاري أنه قد دلسه فذلك يعني أنه قد سمع منه غير هذا الحديث، لأن حقيقة التدليس أن يروي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه منه، وأبو إسحاق ليس له من الرواية عن أرقم إلا هذا الحديث فيما وقفت عليه، فكيف يكون مقصود البخاري التدليس وهو إذا انتفى سماعه لهذا الحديث لم يثبت لأبي إسحاق رواية غيره، فتحمل روايته عن أرقم على الإرسال، وليس على التدليس، إلا أن يكون قد حدث عنه غير هذا الحديث، ولم ينقل لنا، ولم يذكرها العلماء في تراجمه، والأصل أن نتمسك بالظاهر حتى يثبت العكس، والله أعلم. وإذا كان البناء على قراءة الإمام السابق لم ترد إلا بهذا الإسناد، ولم يرد في أي شيء من الروايات الأخرى التي روت صلاة النبي ﷺ في مرض موته، فهذه علة، فلا يكفي كون شرحبيل ثقة أن يتفرد بأصل في الباب، إلا على تأويل ظاهر الحديث بتأويلات لا يمكن الجزم بواحد منها، ذكرتها في مناسبة سابقة عند الكلام على انتقال الإمام إلى مأموم، هذا مبلغ علمي، والله أعلم. فإن قيل: إن ابن عبد البر قد صححه، والحافظ قد حسنه في الفتح (٢/ ٣١٥). =