ولأن النبي ﷺ جعل اتباع الإمام في الجلوس من طاعة الأئمة، وطاعتهم من طاعة النبي ﷺ، وطاعة النبي ﷺ طاعة لله، ومن ذلك: إذا صلوا قعودًا صلى من خلفهم قعودًا أجمعون. وطاعة الأئمة واجبة، فكانت مخالفتهم في الجلوس معصية.
ومن ذلك أنه جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها، حيث يقومون على ملوكهم تعظيمًا لهم، وملوكهم جلوس، وشريعتنا جاءت بخلاف ذلك، كما قال ﷺ:(من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار).
دليل من قال: يستجب الجلوس للمأموم خلف الإمام القاعد:
استدلوا بأدلة القول السابق إلا أنهم صرفوا الأمر فيها من الوجوب إلى الاستحباب لقرائن منها:
(ح-٣١٣٥) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن هارون قال: أخبرنا حميد الطويل،
عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ سقط عن فرسه، فجحشت ساقه، أو كتفه، وآلى من نسائه شهرا، فجلس في مشربة له، درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلى بهم جالسًا وهم قيام، فلما سلم قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلى قائمًا فصلوا قيامًا … الحديث (٢).
ورواه أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون،
وابن حبان من طريق خالد بن الحارث،
وأبو يعلى من طريق حماد بن سلمة،
وأبو طاهر المخلص من طريق يزيد بن زريع، كلهم عن حميد،
عن أنس … وذكر فيه: فصلى بهم قاعدًا، وهم قيام، فلما حضرت الصلاة الأخرى، قال لهم: ائتموا بإمامكم، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا
(١) التمهيد لابن عبد البر، ت بشار (٤/ ١٢٤). (٢) صحيح البخاري (٣٧٨).