فمن رأى من العلماء أن هذه العلل هي علل متعددة، كل علة منها علة مستقلة تستقل بالحكم، ولا مانع أن يعلل الحكم بأكثر من علة على الصحيح، كتعليل تحريم الوطء لكونها مُحْرِمة وحائضًا، وكل واحد منهما لو قدر منفردًا تعلق به اقتضاء تحريم الوطء، فكذلك آكل الثوم، فإذا وجدت أذية الناس، ولو خارج المسجد، أو أذية الملائكة وحدهم، كما لو دخل المسجد، وهو خالٍ من المصلين، أو كان المسجد له جماعة محصورة، فأكلت كلها ثومًا أو بصلًا منعوا من دخول المسجد؛ لأنه وإن انتفت علة أذية الآدمي، لم تنتف علة أذية الملائكة، وانتهاك حرمة المسجد، فالمساجد تصان عن الروائح الكريهة.
فمن عَدَّ هذه العلل عللًا مستقلة منع من حضور مجامع الناس مطلقًا، سواء أكانت لعبادة أم لغيرها؛ لأن أذية المسلمين كما لا تجوز في المسجد، لا تجوز خارج المسجد، وكما لا تجوز أذية الجماعة من المسلمين لا تجوز أذية الواحد منهم، ولهذا جاء في بعض الأحاديث الأمر بالقعود بالبيت، وكان يأمر بإخراج من وجد منه ريح الثوم إلى البقيع، والبقيع خارج المدينة، ولم يكتف بإخراجه من المسجد.
قال ابن دقيق العيد: «قوله ﵇: «فإن الملائكة تتأذى إشارة إلى التعليل بهذا. وقوله في حديث آخر:(يؤذينا بريح الثوم) يقتضي ظاهره التعليل بتأذي بني آدم، ولا تنافي بينهما، والظاهر أن كل واحد منهما علة مستقلة. والله أعلم» (٢).
ومن العلماء من رأى أن هذه الثلاث علل هي علة واحدة مركبة، والعلة المركبة إذا وجد بعض أجزائها في محل الحكم لا يكفي لترتب الحكم حتى يجتمع أجزاء العلة، كما لو قيل: العلة في الربا الطعم والكيل، فإذا وجد الطعم وحده، أو الكيل وحده لم يجر الربا حتى يجتمع أجزاء العلة.
(١) انظر: القبس شرح الموطأ (ص: ١١٢)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٤١٩). (٢) إحكام الأحكام (١/ ٣٠٤).