بين اثنين قد فاتتهما الصلاة، فصليا، وبين رجل صلى ودخل معه آخر ليتصدق عليه؛ ليحصل له أجر الجماعة، فصورتهما واحدة، وإذا كان الفعل لا فرق فيه بين المكروه والمأذون فيه إلا بالنية، فالنية محلها القلب، فلو لم تكن الجماعة الثانية غير مكروهة مطلقًا لم يأذن الشارع في مثل هذا الفعل حتى لا يلتبس على الناس المباح بالمأذون فيه.
الوجه الرابع:
أن الحسن نفسه قد كشف العلة التي منعت الناس من إقامة الجماعة الثانية.
(ث-٧٧٥) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور،
عن الحسن، قال: إنما كانوا يكرهون أن يجمعوا مخافة السلطان.
[صحيح].
فتبين أن الامتناع ليس بسبب كراهتهم للجماعة الثانية، فبطل الاحتجاج بأثر الحسن البصري، على أن هناك سؤالًا مشروعًا، أكان السلطان يمنع من إقامة الجماعة بعده، أم كان يمنع من إقامة الجماعة قبله فقط؟ لأنه كان يؤخر الصلاة عن وقتها، فكان ينظر إلى إقامة الجماعة قبله على أنه مخالفة له، وافتئات عليه، بخلاف الجماعة بعده.
الدليل السادس:
(ث-٧٧٦) روى البخاري في التاريخ الكبير، قال لنا مسلم: حدثنا أبان: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سفيان رجل من أهل الشام، عن بحير بن ريسان،
عن عبادة بن الصامت: أنه زجر ناسًا يصلون بعد ما يتروح الإمام، فلم ينتهوا فضربهم.
[ضعيف، ولا دلالة فيه](١).
(١) البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٣٧)، ومن طريق أبان أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ١٥٥). أعله البخاري بعلتين: تفرد بحير بن ريسان، وجهالة أبي سفيان. قال البخاري كما في كتاب الضعفاء للعقيلي (١/ ١٥٥): بحير بن ريسان عن عبادة بن الصامت لا يتابع عليه، وأبو سفيان مجهول لا يعرف. وقال العقيلي: لا يتابع عليه. وهذه موافقة من العقيلي للبخاري على إعلاله بالتفرد. وقال ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٣٧) في ترجمة بحير: «روى أحاديث، وروى عنه بنوه أحاديث مناكير، وليس هو بكثير الرواية». وأعله الذهبي في الانقطاع، قال الذهبي في بحير: لم يدرك عبادة. تفرد بهذه العلة الذهبي، ولم يشر البخاري ولا العقيلي إلى انقطاعه، وفي رواية همام عن يحيى بن أبي كثير به، قال بحير: إنه كان عند عبادة. هذا من حيث الإسناد، وأما في المتن فلا دلالة فيه على مسألة الباب. فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧٧٣٠) من طريق همام، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، أن رجلًا من أهل الشام حدثه يقال له أبو سفيان، أن بحير بن ريسان حدثه، أنه كان عند عبادة بن الصامت شهد ذلك، زجرهم أن يصلوا إذا تروح الإمام في رمضان، فجعل يزجرهم، وهم لا يبالون ولا ينتهون، فضربهم، فرأيته يضربهم على ذلك. فتبين أن أثر عبادة على ضعفه ليس في باب النهي عن الجماعة الثانية، وإنما في النهي عن الصلاة بين التراويح.