الضرار؟ فتحريم مسجد الضرار لم يكن من أجل بناء مسجد آخر للصلاة فيه، فهو عمل صالح، لو أريد به الحسنى، ولكن لم تكن هذه نيتهم، وقد فضح الله نيتهم، وهو المطلع على ما في القلوب.
فلو اعتاد جماعة بعينها من المصلين على التخلف، وقصدوا بإقامة الجماعة الثانية الإضرار بالإمام، وتفريق الجماعة، والتحزب على شكل جماعتين، فجماعة يصلون خلف الإمام الراتب، وأخرى يضارونهم بالصلاة خلف إمام آخر، فلا شك في تحريمه؛ لأن الجماعة ما شرعت إلا من أجل جمع الصف، وتوحيد الكلمة، وتأليف القلوب، فالمسألة مفروضة في إقامة الجماعة الثانية في حق من فاتته الجماعة، ولم يقصد المصلي مشاقة الإمام، ولا الاختلاف عليه، ولا منازعته في إمامته، ولم يتعمد التأخير، ولم يتخذه عادة، ولم ينتصب للجماعة الثانية إمام دائم، ولا جماعة راتبه، فأين هذا من مسجد الضرار، فلا يقاس الأخف على الأغلظ، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٩٤٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدكم أنه يجد عرقا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء.
ورواه الإمام مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد به (١).
ورواه البخاري من طريق حميد بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة مرفوعًا: لقد هممت آن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم (٢).
(١) صحيح البخاري (٧٢٢٤)، وصحيح مسلم (٢٥١ - ٦٥١). (٢) صحيح البخاري (٢٤٢٠).