وقال ابن رجب:«ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان؛ فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد»(٢).
• فاعترض عليه:
بأن من شرط النسخ العلم بالتاريخ، ومع الجهل بالتاريخ فليس أحدهما بأولى أن يكون هو الناسخ من الآخر.
بل لو قيل حديث عتبان دال على جواز التخلف، وهو جارٍ على استصحاب البراءة الأصلية، بخلاف حديث ابن أم مكتوم فهو شاغل للذمة، والقاعدة الأصولية: أن الناقل مقدم عند الجمهور على ما كان مقررًا لحكم الأصل؛ لأنه يفيد حكمًا شرعيًّا ليس موجودًا في الآخر، والله أعلم.
• ورد هذا:
بأن الدليل على تأخر قصة عتبان عن قصة ابن أم مكتوم؛ قيام الإجماع على أن العذر مسقط لصلاة الجماعة، والإجماع لا يقبل النسخ.
وبأن حديث يزيد بن الأسود في جواز الصلاة في الرحل قد وقع في حجة الوداع، وهذه قرينة تدل على أن نسخ وجوب الجماعة كان آخر الأمرين.
واستدلوا أيضًا بما قيل: إن التحريق بالنار كان جائزًا قبل ذلك ثم نسخ (٣).
• واعترض على هذه الطريقة:
بأن من شرط القول بالنسخ تعذر الجمع، والجمع غير متعذر.
الطريقة الثالثة: محاولة الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع.
الوجه الأول:
البحث في وجود فرق بين عذر ابن أم مكتوم وبين عذر عتبان بن مالك، من
(١) إكمال المعلم (٢/ ٦٢٥)، فتح الباري (٢/ ١٥٩)، نيل الأوطار (٣/ ١٢٤)، وانظر: الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء، رسالة علمية (٢/ ١٠١١). (٢) فتح الباري لابن رجب (٣/ ١٨١). (٣) طرح التثريب (٢/ ٣١٣).