ولم تتعطل المساجد من عصر النبوة إلى يومنا هذا، مع قول الأئمة الأربعة أن صلاتها في المسجد سنة.
والخوف من تعطل المساجد يجعل القول بإقامتها في المساجد فرض كفاية، وليس على الأعيان.
واستدل الإمام أحمد على وجوبها في المسجد، برأي علي وابن مسعود، وابن عباس، ولم يثبت ذلك عن علي بن أبي طالب، وهو ثابت عن ابن مسعود وابن عباس، إلا أن ذلك معارض بقول وفعل جماعة من الصحابة، كابن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو، وحذيفة وزيد بن ثابت وكعب بن مالك، وسيأتي ذكر ذلك عنهم في البحث إن شاء الله تعالى، والاستدلال بقول الصحابي شرطه ألا يخالفه صحابي آخر. ولأن أثر ابن عباس وعلي يدلان على أن المسجد شرط؛ لقولهما:(فلا صلاة له إلا من عذر) وإذا لم نأخذ بدلالة الأثر على الشرطية لمعارضته السنة المرفوعة، لم نأخذ بدلالته على الوجوب؛ فإنه صرف للأثر عن دلالته.
والخلاصة: أن هذه الرواية: ليست قوية في الدلالة على وجوب الجماعة خارج المسجد؛ لأنه ذكر في وجوب الجماعة أنه يخشى أن تكون فريضة، ويعارض بأن الاحتياط ليس في التأثيم.
وليست قوية في الاستدلال على وجوبها في المسجد؛ لأن الآثار معارضة بمثلها.
ويبقى السؤال: لماذا ترك الإمام أحمد في هذه الرواية الاحتجاج بحديث أبي هريرة في الهم بالتحريق؟ مع أنه أقوى دليل في المسألة، بل هو الدليل الوحيد الصحيح، وما كان للإمام أحمد أن يعدل عن الاحتجاج بالسنة المرفوعة المشهورة ليحتج ببعض الآثار عن الصحابة لولا وجود إشكال في دلالة حديث التحريق، والله أعلم.
الرواية الثانية: قال عبد الله: «سألت أبي عن الصلاة في جماعة، حضورها واجب؟ فعظم أمرها جدًّا، وقال: كان ابن مسعود يشدد في ذلك، وروي عن النبي ﷺ في ذلك تشديدًا كثيرًا:(لقد هممت أن آمر بحزم الحطب، فأحرق على قوم لا يشهدون الصلاة)» (١).
هذه الرواية وإن استدل بها الإمام أحمد بحديث أبي هريرة، إلا أنه قدم أثر ابن