وقد كانت الأمم السابقة لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، فامتن الله على هذه الأمة بأن يصلوا حيث أدركتهم الصلاة، وعدَّها النبي ﷺ من فضائله، وفضائله لا يجوز عليها النسخ، وإيجاب الصلاة جماعة في المسجد إبطال لهذه الفضيلة، والله أعلم.
وقد ذهب إلى سنية الصلاة جماعة في المسجد الأئمة الأربعة، والسؤال: كيف لم يأخذ هؤلاء الأئمة بدلالة حديث أبي هريرة ﵁ في وجوبها في المسجد، فلولا وجود ما يعارض دلالة حديث أبي هريرة من وجوبها في المسجد لم يخالفوه مع صحة إسناده، وشهرته.
وليس الاحتجاج بفقههم، فإن الفقه عرضة للخطأ -وإن كان اتفاق الأئمة الأربعة له وزنه من جهة الفقه- ولكن الاحتجاج بإعراضهم عن الأخذ بدلالة حديث أبي هريرة من حيث الصنعة الحديثية، فلو ترك الاحتجاج به الإمام أحمد وحده لكان حجة، فكيف إذا اتفق معه بقية الأئمة.
فإن قيل: إن الإمام له رواية أخرى وإن لم تكن هي المشهور من مذهبه يرى فيها وجوب الجماعة في المسجد.
فالجواب: هذا صحيح، ولكن الرواية المشهورة، والمقدمة عند أصحابه أن الجماعة في المسجد سنة، وما جاء عن أحمد نصًّا نقلان:
الرواية الأولى: أن صلاة الجماعة في المسجد سنة، وهي الأقوى.
قال ابن أبي حاتم:«أخبرنا صالح بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، قال: حضرت عند إبراهيم بن أبي الليث، وحضر علي بن المديني وعباس العنبري، وجماعة كثيرة، فنودي بصلاة الظهر، فقال علي بن المديني: نخرج إلى المسجد، أو نصلي ههنا؟ فقال أحمد: نحن جماعة، نصلي ههنا، فصلوا.
قال ابن أبي حاتم: رجوع الجماعة الذين حضروا إلى قول أحمد في ترك الخروج إلى المسجد وجمع الصلاة هناك من جلالة أحمد، وموقع كلامه عندهم» (١).
(١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/ ٢٩٩)، وسيرة الإمام أحمد لابنه صالح (ص: ٣٨)، الروايتين والوجهين لأبي يعلى (١/ ١٦٥). وجميع هؤلاء قد نقلوا رواية صالح، عن أبيه، وقول الإمام أحمد: نحن جماعة، نصلي هاهنا: دليل على أنه يفرق في الحكم بين فعلها جماعة، وبين فعلها في المسجد.