عن أبي جحيفة، قال: خرج رسول ﷺ بالهاجرة، فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين، ونصب بين يديه عنزة وتوضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه (١).
وفي رواية لمسلم نحوه، وفيه: .. ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة (٢).
وهذا كان بالأبطح في حجة الوداع، وإذا لم يترك النبي ﷺ السترة في حجة الوداع، فصلاته في منى أو في عرفة على اختلاف الرواة، والمحفوظ الأول، ليست استثناء، فلو أراد ابن عباس من نفي الجدار نفي السترة، لعبر بنفي العنزة والحربة ومؤخرة الرحل ليدل نفي الأقل على نفي الأعلى، وليس العكس.
وإن فسرنا قوله:(يصلي إلى غير جدار) أي: إلى غير سترة، فإن رواية عبيد الله في الصحيحين أصح مما تفرد به الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس والله أعلم.
والتفسير الأول أقوى؛ لأن النبي ﷺ لم يكن ليترك السترة، وقد أمر بها أمته، وكانت تحمل له في صلاة العيد، وكانت تضرب له العنزة في السفر ليصلي إليها.
(ح-٢٣٦٢) فقد روى الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه؛ فيصلي إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر (٣).
فهذا الحديث مقطوع بصحته، ومن أصح الأسانيد، وعبيد الله في نافع مقدم على الإمام مالك، وقد نص على أن هذا فعله ﷺ في الحضر والسفر، ولفظ:(كان) مشعر بالدوام والاستمرار.
وإذا كانت رواية عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس تحتمل أن يكون صلى إلى سترة غير جدار، وتحتمل أن يكون أراد من نفي الجدار نفي السترة بالكلية كان حمله على المعروف من عادته ﷺ أولى من حمله على النادر، وهذا ما جعل البخاري يُبَوِّب عليه في صحيحه، فقال: باب سترة الإمام سترة لمن خلفه.
(١) صحيح البخاري (٥٠١)، وصحيح مسلم (٢٥٢ - ٥٠٣). (٢) صحيح مسلم (٢٥٠ - ٥٠٣). (٣) صحيح البخاري (٤٩٤)، وصحيح مسلم (٢٤٥ - ٥٠١).