الوجه الثاني: في الحديث مواظبة النبي ﷺ على السترة حضرًا وسفرًا، في المدينة، وفي الصحراء، ولزوم الفعل من النبي ﷺ ومواظبته عليه تدل على الوجوب، كيف وقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي.
رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (١).
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن مواظبة النبي ﷺ على الفعل دليل على أنه سنة مؤكدة، ولكن لا يدل ذلك وحده على الوجوب، فقد كان النبي ﷺ يواظب على سنن معلومة، لا يدعها لا حضرًا، ولا سفرًا، وليست واجبة، من ذلك سنة الصبح، والوتر.
الوجه الثاني: أن الاستدلال بحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب فيه نظر كبير، وسبق لي أن بينت ذلك في صفة الصلاة، ذلك أن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا بعيدًا عن سببه وسياقه فإنه يشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي، فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل:(صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله حديث:(لتأخذوا عني مناسككم)، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها الرؤية العلمية: أي صلوا كما عَلِمْتُمُوِني أصلي.
وإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي ﷺ وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي ﷺ حين منصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية.
ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ