العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس. ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار (١).
وجه الاستدلال:
قوله:(فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)، فلو كانت الجماعة سنة لم يحرق عليهم بيوتهم، وأموال المسلم معصومة بأدلة قطعية. ولو كانت فرض كفاية لسقطت عنهم بفعل النبي ﷺ وأصحابه، فدل على أنها فرض عين.
• مناقشة دلالة حديث أبي هريرة على الوجوب:
هذا أقوى دليل استدل به القائلون على جوب الجماعة، ولعله الدليل الوحيد، وإذا سَلِم لهم هذا الاستدلال سَلِم لهم القول بوجوب الجماعة، فإن الحكم الشرعي يكفي لثبوته دليل واحد صحيح.
وحتى يكون الدليل حجة على المطلوب لا بد أن يتوفر فيه شروط أربعة:
الشرط الأول: ثبوته، فلا حجة في الدليل الضعيف.
الشرط الثاني: صحة دلالته على الحكم نصًّا أو ظاهرًا؛ إذ لا يلزم من صحة الدليل صحة دلالته على المطلوب، فإذا تخلف المدلول عن الدليل، أو قام في الأدلة ما يقدح في دلالة الحديث على المطلوب لم يصح الاستدلال بالحديث (٢).
الشرط الثالث: كونه مُحْكمًا لم ينسخ، فإن وجد ما يدل على النسخ لم يكن حجة، وقدم الناسخ.
الشرط الرابع: كون الدليل سالمًا من المعارضة، فإن عارضه دليل مثله أو أقوى منه فلا حجة للمستدل؛ لأنه إذا تساوى الدليلان لم يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة (٣).
(١) صحيح البخاري (٦٥٧)، وصحيح مسلم (٢٥٢ - ٦٥١). (٢) انظر: التلويح على التوضيح لمتن التنقيح (٢/ ١٨١) وما بعدها. (٣) يقول علي بن إسماعيل الأبياري في التحقيق والبيان في شرح البرهان (٢/ ٨٨٨): «لا يجوز للمجتهد إذا وجد دليل المسألة، المبادرة إلى الحكم به، حتى يبحث في الشريعة عن معارض له، أو دليل يصد ذلك الحكم. فإذا صح عنده أنه لا دليل لغير ذلك الحكم، يجوز الاعتماد عليه، فحينئذٍ يجزم بالحكم أو يظنه».