فحتى يسلم الاستدلال من الاعتراض لا بد من إثبات أنه كان يصلي إلى غير سترة؛ ليكون الاستدلال به متجهًا.
جاء في شرح القسطلاني: «قوله: (إلى غير جدار) لفظ (غير) يشعر بأن ثمة سترة؛ لأنها تقع دائمًا صفة، وتقديره: إلى شيء غير جدار، وهو أعم من أن يكون عصا أو غير ذلك» (١).
وأما قول الحافظ:(لو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة)، فغير مسلم؛ فالفائدة من حديث ابن عباس تخصيص حديث أبي جهيم:(لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه).
فإن عمومه: يشمل الإمام والمنفرد والمأموم، فجاء حديث ابن عباس فخصَّه بالإمام والمنفرد، وأخرج المأموم من هذا العموم، فلا حرج بالمرور بين يديه.
كما أن حديث أبي سعيد بدفع المار بين يديه ظاهره عموم الأمر لكل مصلٍّ أن يدفع من يمر بين يديه، فجاء حديث ابن عباس فخصَّ الأمر بالدفع في حق الإمام والمنفرد، وخرج المأموم من الأمر بدفع المار.
وأما ما احتج به الحافظ من رواية البزار، فهي من غير طريق الزهري، عن عبيد الله عن ابن عباس، وهي رواية منكرة.
(ح-٢٣٥٩) فقد رواه البزار من طريق ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الكريم، أن مجاهدًا أخبره،
عن ابن عباس، ﵄، قال: أتيت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة، وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه (٢).
[أعله ابن خزيمة](٣).
وقد عارض الحكم بن أبان عبد الكريم:
(ح-٢٣٦٠) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا
(١) شرح القسطلاني (١/ ٤٦٤). (٢) البزار (٤٩٥١). (٣) سبق تخريجه في المجلد الحادي عشر، انظر: (ح-٢١٥٣).