الثالث: أنَّ هذا لو كان هو المقصود من النهي، لكان مخصوصاً بالانغماس في الماء الدائم. فأين الدليل على تعدي هذا الحكم، إلى الرشاش المتساقط من المتطهر في الماء الدائم، فإنَّ في اتقاء ذلك الحرج العظيم الذي لا تأتي بمثله شريعة الإسلام السمحة، ولم يعلم عن النبي ﷺ أنَّه كان يتقي ذلك، ولا عن أحد من أصحابه.
بل المعنى المعقول في نهي النبي صلى عليه وسلم من الاغتسال في الماء الدائم من أجل ما فيه من تقذير الماء على غيره والله أعلم.
فائدة:
ذهب كثير من العلماء إلى أنَّ الماء يُسلب منه الطهورية بمخالطة الطاهر له الذي يمكن التحرز منه إذا غير صفة من صفاته وإن كان يطلق عليه اسم الماء، وهو مذهب الجمهور، وذهب أحمد في رواية إلى جواز التطهر به، وهذا هو الصحيح لدخوله في اسم الماء المطلق، وهو مذهب أبي حنيفة.
واستثنوا من ذلك التغير بسبب المجاورة، وذلك كتغير الماء بوضع الخشب والعيدان فيه فإنَّ تغير الماء بسبب انحلال أجزاء الخشب في الماء، ولهذا لو وضع الشخص قطناً في فم قربة وصب فيها ذلك الماء المتغير لخرج نقياً.
ومن ذلك الدهن على اختلاف أنواعه، والطاهرات الصلبة كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يهلك في الماء، ولم يمع فيه، فلا يخرج به عن إطلاقه؛ لأنَّه تغيير مجاورة، أشبه ما لو تروح الماء بريح شيء على جانبه.