الثالث: أنَّه موافق لعمل أهل المدينة قديماً، وحديثاً، فإنَّه لا يعرف عن أحد منهم أنَّه حدد الماء بقلتين، وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقلي خلفاً عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاع، والمد، والأجناس، وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم دون ما طريقه الاجتهاد، والاستدلال، فإنَّهم وغيرهم فيه سواء، وربما يرجح غيرهم عليهم، ويرجحوا هم على غيرهم،
فتأمل هذا الموضع.
فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمعنا من الترجيح ما يقابله، وهو أنَّ المفهوم هنا قد تأيد بحديث النهي عن البول في الماء الراكد، والأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب، والأمر بغسل اليد من نوم الليل، فإنَّ هذه الأحاديث تدل على أنَّ الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغير، ولا سبيل إلى تأثر كل ماء بها، بل لا بد من تقديره فتقديره بالقلتين أولى من تقديره بغيرهما، لأنَّ التقدير بالحركة، والأذرع المعينة، وما يمكن نزحه، وما لا يمكن تقديرات باطلة لا أصل لها، وهي غير منضبطة في