الثاني: أنَّ هذا التقدير يستلزم الإضراب عن جواب سؤال السائل الذي استشكل حياة العظام، فإنَّ أبي ابن خلف أخذ عظماً بالياً، ثم جاء به إلى النَّبي ﷺ، ففته في يده، فقال: يا محمد، أترى الله يحيى هذا بعد ما رم؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:"نعم، ويبعثك، ويدخلك النار".
فمأخذ الطهارة أنَّ سبب تنجيس الميتة منتف في العظام، فلم يحكم بنجاستها، ولا يصح قياسها على اللحم، لأنَّ احتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة يختص به دون العظام، كما أنَّ ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، وهو حيوان كامل، لعدم سبب التنجيس فيه. فالعظم أولى، وهذا المأخذ أصح وأقوى من الأول، وعلى هذا، فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوان طاهر العين.
وأمَّا من رأى نجاستها، فإنَّه لا يجوز بيعها، إذ نجاستها عينية، قال ابن القاسم: قال مالك: لا أري أن تشترى عظام الميتة ولا تباع، ولا أنياب الفيل، ولا يتجر فيها، ولا يمتشط بأمشاطها، ولا يدهن بمداهنها، وكيف يجعل الدهن في الميتة ويمشط لحيته الميتة، وهى مبلولة، وكره أن يطبخ بعظام الميتة، وأجاز مطرف، وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقاً، وأجازه ابن وهب، وأصبغ إن غليت وسلقت، وجعلا ذلك دباغاً لها» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس لهذه المسألة. وبهذا يتبين أنَّ الجنابي التي يستعملها اليمنيون وغيرهم التي تؤخذ من قرون بعض الحيوان قبل موته ليست بنجسة،