«و"الصكوك": جمع صَك. وهي: التواقيع السُّلطانية بالأرزاق. وهذا البيع الذي أنكره أبو هريرة للصُّكوك إنَّما هو بيع من اشتراه من رزقه، لا بيع من رزقه؛ لأنَّ الذي رزقه وصل إليه الطعام على جهة العطاء، لا المعاوضة. ودليل ذلك ما ذكره مالك في "الموطأ"، قال: إنَّ صكوك الجار خرجت للناس في زمن مروان من طعام الجار، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، وذكر الحديث في "الموطأ" أيضًا: أنَّ حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر للناس، فباع حكيم الطعام حتى يستوفيه، فبلغ ذلك عمر، فردَّه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته قبل أن تستوفيه.
إن قيل: فما في "الموطأ" يدل على فسخ البيعين: بيع المعطى له، وبيع المشترى منه؛ إذ فيه: أنَّ مروان بعث الحرس لينتزعوا الصكوك من أيدي الناس، ولم يفرق. فالجواب ما قد بينه بتمام الحديث، حيث قال: ويردُّونها إلى من ابتاعها. وكذلك فعل عمر بحكيم، فإنَّه ردَّ الطعام عليه؛ لأنَّه هو الذي كان اشتراه من الذي أعطيه، فباعه قبل أن يستوفيه كما قد نصَّ عليه فيه. والجار موضع معروف بالسَّاحل كان يجتمع فيه الطعام فيُرزق الناس منه» اهـ.
«وقد اختلف العلماء في ذلك؛ والأصح عند أصحابنا وغيرهم جواز بيعها؛ والثاني: منعها فمن منعها أخذ بظاهر قول أبي هريرة وبحجته ومن أجازها تأول قضية أبي هريرة على أنَّ المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث، قبل أن يقبضه