الثاني: أنَّ الصحابة أنكروه على رافع، قال زيد بن ثابت - وقد حكى له حديث رافع - "أنا أعلم بذلك منه، وإنَّما سمع النبي ﷺ رجلين قد اقتتلا فقال: "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع" وقد تقدم. وفي البخاري: عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاووس: "لو تركت المخابرة، فإنَّهم يزعمون أنَّ النَّبي ﷺ نهى عنها؟ قال: إن أعلمهم - يعني ابن عباس - أخبرني: أنَّ النبي ﷺ لم ينه عنها ولكن قال: "أن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً".
فإن قيل: إن كان قد أنكره بعض الصحابة عليه، فقد أقره ابن عمر، ورجع إليه؟ فالجواب:
أولاً: أنَّ ابن عمر لم يحرم المزارعة، ولم يذهب إلى حديث رافع، وإنَّما كان شديد الورع، فلما بلغه حديث رافع خشي أن يكون رسول الله ﷺ أحدث في المزارعة شيئاً لم يكن علمه، فتركها لذلك.
الثاني: وقد جاء هذا مصرحاً به في الصحيحين: "أنَّ ابن عمر إنَّما تركها لذلك ولم يحرمها على الناس".
الثالث: أنَّ في بعض ألفاظ حديث رافع ما لا يقول به أحد، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق. ومعلوم: أنَّ النبي ﷺ لم ينه عن كرائها مطلقاً، فدل على أنَّه غير محفوظ.