وقد نقل عن بعضهم ألفاظ إن ثبتت فليست صريحة بنجاسة محل النزاع مثل ما روي عن الحسن أنَّه قال: البول كله يغسل، وقد روي عنه أنَّه قال: لا بأس بأبوال الغنم فعلم أنَّه أراد بول الإنسان الذكر والأنثى والكبير والصغير، وكذلك ما روي عن أبي الشعثاء أنَّه قال: الأبوال كلها أنجاس فلعله أراد ذلك إن ثبت عنه وقد ذكرنا عن ابن المنذر وغيره أنَّه لم يعرف عن أحد من السلف القول بنجاستها ومن المعلوم الذي لا شك فيه أنَّ هذا إجماع على عدم النجاسة بل مقتضاه أنَّ التنجيس من الأقوال المحدثة فيكون مردوداً بالأدلة الدالة على إبطال الحوادث لا سيما مقالة محدثة مخالفة لما عليه الصدر الأول ومن المعلوم أنَّ الأعيان الموجودة في زمانهم ومكانهم إذا أمسكوا عن تحريمها وتنجيسها مع الحاجة إلى بيان ذلك كان تحريمها وتنجيسها ممن بعدهم بمنزلة أن يمسكوا عن بيان أفعال يحتاج إلى بيان وجوبها لو كان ثابتاً فيجيء من بعدهم فيوجبها. ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم يذكروا وجوباً ولا تحريماً كان إجماعاً منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم وهو المطلوب. وهذه الطريقة معتمدة في كثير من الأحكام وهي أصل عظيم ينبغي للفقيه أن يتأملها ولا يغفل عن غورها؛ لكن لا يسلم إلاَّ بعدم ظهور الخلاف في الصدر الأول فإن كان فيه خلاف محقق بطلت هذه الطريقة والحق أحق أن يتبع.
الوجه العاشر وهو الثالث عشر في الحقيقة: أنَّا نعلم يقينا أنَّ الحبوب من الشعير والبيضاء والذرة ونحوها كانت تزرع في مزارع المدينة على عهد النبي