ﷺ وأهل بيته ونعلم أنَّ الدواب إذا داست فلا بد أن تروث وتبول ولو كان ذلك ينجس الحبوب لحرمت مطلقاً أو لوجب تنجيسها.
وقد أسلمت الحجاز واليمن ونجد وسائر جزائر العرب على عهد رسول الله ﷺ.
وبعث إليهم سعاته وعماله يأخذون عشور حبوبهم من الحنطة وغيرها وكانت سمراء الشام تجلب إلى المدينة فيأكل منها رسول الله ﷺ والمؤمنون على عهده وعامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع وكان يعطي المرأة من نسائه ثمانين وسق شعير من غلة خيبر وكل هذه تداس بالدواب التي تروث وتبول عليها فلو كانت تنجس بذلك لكان الواجب على أقل الأحوال تطهير الحب وغسله ومعلوم أنه ﷺ لم يفعل ذلك ولا فعل على عهده فعلم أنَّه ﷺ لم يحكم بنجاستها.
ولا يقال: هو لم يتيقن أنَّ ذلك الحب الذي أكله مما أصابه البول والأصل الطهارة؛ لأنَّا نقول: فصاحب الحب قد تيقن نجاسة بعض حبه واشتبه عليه الطاهر بالنجس فلا يحل له استعمال الجميع؛ بل الواجب تطهير الجميع؛ كما إذا علم نجاسة بعض البدن أو الثوب أو الأرض وخفي عليه مكان النجاسة غسل ما يتيقن به غسلها وهو لم يأمر بذلك.
ثم اشتباه الطاهر بالنجس نوع من اشتباه الطعام الحلال بالحرام فكيف يباح أحدهما من غير تحر؟ فإن القائل: إمَّا أن يقول يحرم الجميع وإما أن يقول بالتحري فأمَّا الأكل من أحدهما بلا تحر فلا أعرف أحداً جوزه وإنَّما يستمسك بالأصل مع تيقن النجاسة ولا محيص عن هذا الدليل إلاَّ إلى أحد أمرين: