وقوله:(والحكم قد يدور) لدفع شبهة ترد على جعله الطعم علّة، والثمنية علة، وهو أن الحكم يدور مع الجنسية، كما يدور مع الطعم والثمنية عنده، فلم يجعل الجنسية علّة كما جعلها خصمك أحد وصفي علة الربا. فأجاب عنها فقال: نعم كذلك، إلا أن العليّة للوصف الذي له أثر في استجلاب ذلك الحكم لا لمجرد الدوران، فإن الحكم قد يدور مع الشرط، كالرجم مع الإحصان في الزنا. إليه أشير في المبسوط (١).
ولنا أنه أي: الحديث المشهور أوجب المماثلة شرطًا لجواز البيع (وهو) أي: المماثلة، على تأويل التماثل، أو بالنظر إلى الخبر، وهو المقصود بسوق الحديث؛ لأن معناه: بيعوا هذه الأشياء مثلًا بمثل؛ إذ الباء للإلصاق، فدل على إضمار فعل، وذا (بيعوا) لقوله ﵇ بعدها في رواية: «إذا أختَلَفَ النَوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ»(٢) فذكره عند الاختلاف يدل على أنه المضمن عند الاتفاق، وقوله ﵇:«لا تَبِيعُوا الطَّعامَ بالطَّعامِ»(٣) الحديث، يدل أيضًا؛ إذ النهي عن الشيء أمر بضده.
وقوله:(مثلا بمثل) حال لما سبق، والأحوال شروط كأن دخلت الدار راكبة، والأمر للإيجاب والبيع مباح، فصرف الأمر إلى الحال التي هي شرط، أي: بيعوا بوصف المماثلة، وقد تعلّق المباح بشرط فتجب رعايته، كالإشهاد في النكاح، وروي:«مثل بمثل» أي: بيعها مثل بمثل، والإخبار بمعنى الأمر، بل أكد منه. (تحقيقا لمعنى البيع) أي: الحديث المشهور أوجب المماثلة تحقيقًا لمعنى البيع (إذ هو) أي: البيع (ينبئ عن التقابل) لأن البيع مبادلة المال بالمال، وما كان من باب المفاعلة يقتضي مقابلة كل جزء من أجزائه بمقابلة كل جزء من أجزاء الآخر في متحد الجنس، ولو فضل أحد العوضين لخلا ذلك الفضل عن
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ١١٥). (٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٢١١) رقم (١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت ﵁. (٣) تقدم تخريجه.