للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَالأَصلُ هُوَ الحُرمَةُ عِندَهُ، لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى شَرطَينِ: التَّقَابُضِ وَالمُمَاثَلَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُشعِرُ بِالعِزَّةِ وَالخَطَرِ كَاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ، فَيُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ تُنَاسِبُ إِظْهَارَ الخَطَرِ وَالعِزَّةِ وَهُوَ الطَّعمُ لِبَقَاءِ الإِنسَانِ بِهِ، وَالثَّمَنِيَّةُ لِبَقَاءِ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ المَصَالِحِ بِهَا، وَلَا أَثَرَ لِلجِنسِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلْنَاهُ شَرحًا.

(ولأنه) أي: الشارع (نص على شَرْطَي التقابض والمماثلة) لجواز البيع في هذه الأشياء، فهذا مُشعِرُ بأن موجبهما وصف في المحل ينبئ عن زيادة العزة والخطر حتى يجب لأجله زيادة الشرط؛ لأنه متى يفيد إصابته بشرط زائد لا يهون في أعين المتملكين، فيعظم نظره في أعين الناس، كالعقد الوارد على الأبضاع لما خص بشرط زائد - وهو الشهود والولي دون سائر المعاملات - دل على أن المستحق به ما له خطر، وهو البضع (فيعلل بعلةٍ تُناسب إظهار العزة والخطر، وهو الطعم؛ لبقاء النفوس، والثمنية لبقاء الأموال التي هي في مناط مصالحنا بها) إذ الأموال إنما تبقى أموالا ما دامت لها أثمان؛ لأن ما لا يبدل الثمن بمقابلته لا يكون مالًا ككف من تُراب ونحوه، فالأموال سبب بقاء الأنفس بوصف أنها مأكولة أو وسيلة إليه.

(ولا أثر للجنسية والقدر في ذلك) أي: في إظهار شُبهة العزة والخطر؛ لثبوتها في خطير ومهان، ولكن الحكم لا يثبت إلا عند وجود الجنسية (فجعلناها شرطًا) لا علة، والحكم قد يدور مع الشرط، كالإحصان مع الرجم.

والفرق بينهما بالتأثير وعدمه؛ ألا ترى أنه عند بيان حكم الربا ذكر كل الأثمان، وأنفَسَ كل مطعوم، لما تعذّر بيان كل مطعوم، فالبر أنفس كل مطعوم بني آدم والشعير أنفس عَلَف الدواب، والتمر أنفس الفواكه، والملح أنفس التوابل؛ ليُشعر بأن العِلّة هي الطعم، ولو كان القدر علة لكان ذكر هذه الأشياء تكرارًا محضًا؛ إذ صفة القدر لا تختلف في هذه الأربعة؛ ولهذا قال مالك: إن العلة الاقتيات والادخار؛ لأنه خصَّ بالذكر كل مقتات ومدخر (١). كذا في الكافي والمبسوط (٢).


(١) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ٦٤٨)، وبداية المجتهد (٣/ ١٥٠).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٢/ ١١٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>