للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أُولَى مِنْ قَتْلِ الكَافِرِ وَالانتِفَاعِ بِهِ. وَلَهُ: أَنَّ فِيهِ مَعُونَة لِلكَفَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ حَربا عَلَيْنَا، وَدَفْعُ شَرِّ حَربِهِ خَيْرٌ مِنْ استنقَاذِ الأَسِيرِ المُسلِمِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِم كَانَ ابْتِلَاء فِي حَقِّهِ غَيْرَ مُضَافٍ إِلَيْنَا، وَالإِعَانَةُ بِدَفْعِ أَسِيرِهِم إِلَيْهِم مُضَافُ إِلَيْنَا.

أَمَّا المُفَادَاةُ بِمَال يَأْخُذُهُ مِنهُم لَا يَجُوزُ فِي المَشهُورِ مِنْ المَذْهَبِ لِمَا بَيَّنَّا. وَفِي السِّيَرِ الكَبِيرِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ بِالمُسلِمِينَ حَاجَةٌ اسْتَدَلُّوا بِأُسَارَى بَدر، وَلَو كَانَ أَسْلَمَ الأَسِيرُ فِي أَيْدِينَا لَا يُفَادَى بِمُسلِم أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِم، لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا إِذَا طَابَت نَفْسُهُ بِهِ وَهُوَ مَأمُونٌ عَلَى إِسْلَامِهِ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ المَنُّ عَلَيهِم) أَي عَلَى الأَسَارَى، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ يَقُولُ «مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى بَعْضِ الأَسَارَى يَومَ

وفي السير الكبير: لا بأس بالمفاداة بأسارى المسلمين وهو قوله، وأظهر الروايتين عن أبي حنيفة؛ لأن تخليص المسلم واجب ولا يمكن إلا بمفاداة. وقال أبو يوسف: يجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة، وبعده لا يجوز. وعند محمد؛ يجوز بكل حال.

قوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (فيه معونة على الكفرة).

قوله: (لا بأس) بالفداء بالمال.

قوله: (بأسارى بدر) فإنه فادى أسارى بدر بالمال، والفداء كان أربعة آلاف درهم وبه قال الشافعي وأحمد.

وقلنا انتسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ إلى قوله ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] وقال : «لَو نَزل بنا عَذَابٌ مَا نَجَا إِلَّا عُمَرَ» (١)؛ لأنه أشار بقتلهم.

وفي الإيضاح: سورة براءة آخر سورة نزلت، وقد تضمنت وجوب القتل بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فكان ناسحًا.

قوله: (إلا إذا طابت نفسه) أو نفس الأسير الذي أسلم. (به)؛ أي بالفداء.

قوله: (وَلَا يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَيْهِمْ) بأن أنعم عليهم من غير استرقاق ولا ذمة ولا قتل. خلافا للشافعي وبه قال أحمد ومالك فإن عند الشافعي حكمهم أحد


(١) أخرجه بنحوه مسلم (٣/ ١٣٨٣ رقم ١٧٦٣) من حديث عمر بن الخطاب .

<<  <  ج: ص:  >  >>