للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَة فَتَسَرَّاهَا، لَم تَعْتِقْ بهذا اليمين) خِلَافا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: التَّسَرِّي لَا يَصِحُ إِلَّا فِي المِلكِ، فَكَانَ ذِكرُهُ ذِكرَ المِلكِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ لِأَجنَبِيَّة: إن طَلَّقْتُكِ فَعَبدِي حُرٌّ يَصِيرُ التَّزَوُّجُ مَذْكُورًا.

وَلَنَا: أَنَّ المِلكَ يَصِيرُ مَذْكُورًا ضَرُورَةَ صِحَّةِ التَّسَرِّي، وَهُوَ شَرطٌ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ

كأنه قال: إن تزوجتك وطلقتكِ فعبدي حرّ، كذا هاهنا، وصار كقوله: إن ملكت أمة وتسريتها فهي حرة.

فإن قيل: إثبات الملك بطريق الاقتضاء، وزفر لا يقول بالاقتضاء حتى لا يقع العتق عن الأمر عنده في قوله لآخر: أعتق عبدك عني بألف، والمسألة بحالها في المنظومة وغيرها.

[قلنا] (١): هذا إثبات الملك بالدلالة لا بالاقتضاء عنده، وهذا لأن الثابت دلالة ما يفهم من اللفظ بلا اجتهاد، كفهم حُرمة الضرب والشتم من النهي عن التأفف، والمقتضى لا يفهم من ذكر المقتضي، ولهذا لو قيل: عند فلان جارية سرية يفهم مملوكه بلا تأمل واجتهاد.

(ولنا أن الملك) إلى آخره، أي: اليمين في العتق إنما يصح في الملك، أو مضافًا إلى الملك، ولم يوجد كلاهما في قوله: إن تسريت؛ لانعدام ثبوت الملك من حيث الدلالة، والإشارة، والعبارة؛ لما ذكرنا من معنى التسري لغةً، وشرعًا، فلو ثبت الملك إنما يثبت ضرورة صحة التسري فحينئذ كان الملك ثابتًا اقتضاء، والثابت اقتضاء ضروري فيتقدر بقدر الضرورة.

أصله قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وإذا كان كذلك كان تصحيحه بإدراج الملك إنما كان في حق نفسه وهو تصحيح الشرط لا تصحيح الجزاء فلا يظهر الملك في حق صحة الجزاء وهو حريتها، فلما لم يظهر الملك في حق إضافة إلى التسري لم يكن عتقها مضافًا إلى الملك بعدم ملكها وقت التعليق، ولا مضافًا إلى سبب الملك، فلا يصح اليمين في حقها فلا تعتق.


(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية، والثالثة.

<<  <  ج: ص:  >  >>