للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَهَذَا لِأَنَّ الشِّرَاءَ إِثْبَاتُ المِلكِ وَالإِعْتَاقَ إِزَالَتُهُ وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ. وَلَنَا: أَنَّ شِرَاءَ القَرِيبِ إعتاقٌ لِقَولِهِ : ﴿لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيهِ فَيُعْتِقَهُ﴾ جَعَلَ نَفْسَ الشِّرَاءِ إِعْتَافًا، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ غَيْرُهُ وَصَارَ نَظِيرُ قَولِهِ سَقَاهُ فَأَرَوَاهُ (وَلَو اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ لَم يُجِزهُ) وَمَعنَى هَذِهِ المَسأَلَةِ: أَنْ يَقُولَ لِأَمَة قَدْ

ولنا أن شراء القريب إعتاق بالحديث المذكور في المتن.

(جعل) أي: النبي نفس الشراء إعتاقا؛ لأنه لم يشترط بالإجماع غيره حتى لا يحتاج بإعتاق آخر بعد الشراء، وهذا كما يُقال: سقاه فأرواه، ضربه فأوجعه؛ أي: بنفس السقي والضرب.

وظاهر الآية في الكفارة أمر بالتحرير وقد وُجِد، ولأن الشراء يوجب الملك، والملك في القريب يوجب العتق فيضاف الملك مع حكمه إلى الشراء لأنهما حدثا به.

وهذا كمن رمى إنسانًا عمدًا فأصابه فقتله فقتل به، كأنه حز رقبته بالسيف وإن كان فعله رميًا؛ لأن الرمي أوجب نفوذ السهم ومضيه في الهواء، وذا سبب الوقوع في المرمي، وذا سبب الخروج، وذا سبب الموت فيضاف كله إلى الرمي الذي هو العلة الأولى، فصارت أحكامًا إليه، وصار الرامي قاتلا، فكذا الشراء بواسطة الملك لما ثبت به صار إعتاقًا.

والملك ليس بشرط العتق؛ لأن الشرط مالا أنزله في الإيجاب، والعتق لا يثبت إلا بالملك والقرابة، ولكل واحدٍ منهما أثر فيه فجعلا علة، وهذا لأن العتق صلة وللمك تأثير في الصلات، فالزكاة صلة وتجب بالملك، وللقرابة تأثير أيضًا فيه فجعلا علة، فإذا اجتمعا - وهما مؤثران - أضيف وجوب الصلة إليهما، إلا أنه إذا تفرق وجودهما أضيف الحكم إلى آخرهما وجودًا، كسفينة لا تحمل إلا مائة من، فأوقع فيها رجل مَنَّا زائدًا على المائة فغرقت السفينة كان الضمان كله عليه، وإن لم تغرق بهذا المن وحده؛ بل به وبما كان قبله؛ لأن تمام العلة بالمنّ الأخير فأضيف كله إليه، فكذا هاهنا يُضاف العتق إلى آخرهما وجودًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>