يفعلون ذلك إلا في رأس الغنم قالا: لا يحنث [إلا] (١) به. فالحاصل اعتبار العرف وعليه الفتوى؛ إذ العرف الظاهر أصل في مسائل الأيمان، وعن ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي: لا يحنث إلا برأس الغنم، وعن القفال: لو قال بالفارسية (سبريات بخورم) لا يحنث إلا برؤوس الغنم (٢). فإن قيل: الناس لا يبيعون لحم الخنزير والآدمي، ولا فيهما عرف ظاهر في أسواقهم، ومع ذلك يحنث بأكلهما إذا حلف لا يأكل لحما. قلنا: الأصل فيه؛ أي: عقد اليمين إن كان على فعل مضاف إلى شيء فإن أمكن العمل بحقيقته يعمل بها وإن لم يكن مُتَعَارَفًا، وإن لم يمكن يجب تقييده بالمتعارف.
فإذا ثبت هذا ففيما نحن فيه العمل بحقيقته غير ممكن؛ لأن الرأس يقع على العظم واللحم، وأكل العظم ممتنع، وفي أكل اللحم بحقيقته ممكن؛ لأن اللحم يؤكل بجميع أجزائه فيتقيد اليمين بالحقيقة، وبهذا يخرج الجواب عما ورد شبهة في اليمين من لا يركب دابة حيث لا يحنث بركوب الكافر وإن كان دابة حقيقة، وورد الشرع به؛ لأن العمل بركوب كل دابة غير ممكن فإن النملة دابة ولا يمكن ركوبها، فوجب تقييده بالمتعارف وهو الفرس، والبغل، والحمار.
فإن قيل: هذا الأصل لا يستقيم في الشراء؛ لأن شراء الرأس بجميع أجزائه ممكن. قلنا: ليس كذلك؛ لأن من الرؤوس ما لا يمكن شراؤه شرعًا كرأس النمل
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية، والثالثة. (٢) انظر: حلية العلماء للشاشي القفال (٧/ ٢٧٠)، والحاوي الكبير للماوردي (١٥/ ٣٧٨).