للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِأَنَّ الدَّوَامَ لَهُ حُكمُ الابْتِدَاءِ. وَجهُ الاستحسَانِ: أَنَّ الدُّخُولَ لَا دَوَامَ لَهُ، لِأَنَّهُ انفِصَالُ مِنْ الخَارِجِ إِلَى الدَّاخِلِ.

(وَلَو حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوبَ وَهُوَ لَا بِسُهُ، فَنَزَعَهُ فِي الحَالِ لَم يَحنَتْ) وَكَذَا إِذَا حَلَفَ لَا يَركَبُ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَهُوَ رَاكِبُهَا فَنَزَلَ مِنْ سَاعَتِهِ لَم يَحنَتْ، وَكَذَا لَو حَلَفَ لَا يَسكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ سَاكِنُهَا فَأَخَذَ فِي النَّقلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ. وَقَالَ زُفَرُ: يَحنَثُ لِوُجُودِ الشَّرطِ وَإِنْ قَلَّ وَلَنَا: أَنَّ اليَمِينَ تُعقَدُ لِلبِرِّ فَيُستَثَنَى مِنْهُ زَمَانُ تَحْقِيقِهِ (فَإِنْ لَبِثَ عَلَى حَالِهِ سَاعَة حَنِثَ) لِأَنَّ هَذِهِ الأَفَاعِيلَ لَهَا دَوَامٌ بِحُدُوثِ أَمْثَالِهَا؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ

الشافعي في الأصح ومالك وأحمد؛ لأن الدخول لا دوام له؛ لأنه انفصال من الظاهر إلى الباطن ولم يوجد، وإنما وُجِدَ المكث فيه.

[وفي المبسوط: لو حلف لأدخلنه غدًا، فأقام فيه حتى مضى الغد يحنث؛ لأن شرط بره وجود فعل الدخول في الغد، ولم يوجد، وإنما وجد المكث فيه] (١)، ولو نوى بالدخول الإقامة فيه لم يحنث؛ لأن المنوي من محتملات اللفظ، فإن المقصود من الدخول الإقامة، فكأنه جعل ذكر الدخول كناية عما هو المقصود (٢).

(وقال زفر: يحنث)؛ أي: قياسًا لوجود شرطه والسكون والركوب (وإن قل)، وعندنا لا يحنث استحسانًا؛ إذا أخذ في النقلة والنزع استحسانًا من ساعته، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن اليمين يُعقد للبر، قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ﴾ والحنث منهي عنه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١].

وفي مسألة الحلف على مس السماء يعقد للبر أيضًا لتصوره، ويحنث للعجز الحالي وإذا كان البر مقصودًا لليمين، وأنه متعذر بهذه اليمين ما لم يستثن زمان تحققه.

(لأن هذه الأفاعيل)، وهي اللبس والركوب والسكنى (لها دوام بحدوث أمثالها)، فكان لدوامها حكم الابتداء.


(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية، والثالثة.
(٢) المبسوط للسَّرَخْسِي (٨/ ١٧٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>