للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(وَإِذَا حَلَفَ الكَافِرُ ثُمَّ حَنْثَ فِي حَالِ كُفْرِهِ أَوْ بَعدَ إِسْلَامِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأهل لِليَمِينِ، لِأَنَّهَا تُعقَدُ لِتَعظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعَ الكُفْرِ لَا يَكُونُ مُعَظَّمًا … ...

واليمين في القتل ينبغي أن تكون مؤقتة توقيت معين، أما لو حلف ليقتلن فلانا فإنه يحنث في آخر جزء من حياته.

قوله: (فلا حنث عليه)؛ أي: لم تكن عليه كفارة عندنا ومالك، وقال الشافعي وأحمد يلزمه الكفارة بالمال دون الصوم؛ لأنه أهل اليمين؛ لأن اليمين يعقد للبر، وهو أهل البر؛ إذ البر إنما يتحقق ممن يعتقد تعظيم حرمة اسم الله تعالى وهو يعتقد ذلك فكان اعتقاده يحمله على البر.

ولهذا يستحلف في الدعاوى والخصومات ولو لم يكن أهلا لما استحلف، وما هو المقصود من التكفير، وهو دفع الهتك ممكن في حقه بإيجاب ما يصح منه إيقاعه وهو الإعتاق؛ لأنه ليس بعبادة وضعًا؛ بل هو إسقاط مالية، وما تضمنه من معنى العبادة يقبل الفضل منه بخلاف الصوم يؤيده ما قال عمر لرسول الله، فقال يا رسول الله: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال : «أَوْفِ بنذرِك» (١).

ولنا قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَيْمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فإنه ليس بأهل لليمين؛ لأن المقصود من اليمين البر تعظيمًا لاسم الله تعالى والكافر ليس من أهله؛ لأنه هاتك حرمة اسم الله بإصراره على الكفر والتعظيم مع الهتك لا يجتمعان، والبر لا يتحقق إلا من المعظم وهو هاتك لما عظم، ومتى لم ينعقد يمينه للبر لا يتصور إيفاء البر في حقه بالحلف بخلاف الاستحلاف في الدعاوى والخصومات؛ لأنه أهل لمقصوده وهو النكول أو الإقرار.

وليس بأهل للكفارة أيضًا؛ لأنها عبادة؛ لأنها كاسمها ستارة للذنب، وذلك بواسطة ثواب الطاعة والعبادة المؤداة ليكون الإتيان لها ماحيًا للسيئات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ومعنى العقوبة تابع فيها، فكان معنى التكفير بالإعتاق باعتبار معنى العبادة كالتكفير بالصوم،


(١) أخرجه البخاري (٣/ ٥١ رقم ٢٠٤٣) ومسلم (٣/ ١٢٧٧ رقم ١٦٥٦) من حديث ابن عمر .

<<  <  ج: ص:  >  >>