للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنهَا فَلِيَأْتِ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لِيُكَفِّر عَنْ يَمِينِهِ» وَلِأَنَّ فِيمَا قُلْنَاهُ تفويت البِرِّ إِلَى جَابِرٍ وَهُوَ الكَفَّارَةُ وَلَا جَابِرَ لِلمَعْصِيَةِ فِي صِدِّهِ.

المحلوف معصية؛ بل يخير المرء فيه بين البر والحنث، ولكن الحنث خير من البر فأولى أن يجب عليه الحنث إذا كان معصية.

اعلم أن المحلوف عليه أنواع:

منها: أن يحلف على أمر هو فرض كما لو قال: والله لأصلين المفروضات أو لأصومن شهر رمضان أو لأتركنّ الزنا أو شرب الخمر وما شابههما؛ فهذا يجب فيه البر ولا يجوز فيه الحنث؛ لأن المحلوف عليه فرض فتأكد باليمين.

ومنها: أن يحلف على معصية كما لو حلف على ترك الصلاة أو الصوم أو القتل وما شابه ذلك؛ فلا يجوز أن يبر فيه؛ بل يحنث كما ذكر من الحديث.

ومنها: إذا حلف على شيء، وغيرها خير منها، كما لو حلف على هجران المسلم مثلا؛ فهاهنا يترجح الحنث ويكفّر كما ذكر في الحديث.

ومنها: إذا حلف على أمر غيره يساويه كالمعقود على المباحات فههنا يترجح حفظ اليمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ أي عن الحنث، ولأن البر معصية والامتناع عن المعصية واجب وذلك بالحنث لا يقال الحنث معصية أيضًا لظاهر قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ﴾، وفيه هتك حرمة الله تعالى؛ لأنا نقول: الحنث معصية رخصت فيه لما روينا، وما حلف عليه المعاصي غير مرخص فكان حكم المرخص أخف، ولأن فوات -أي جائز - وهو الكفارة كلا فوات حكمًا فيصير باعتباره كأنه على البر، وفي ضد ما قلنا.

(لا جابر للمعصية) وهذا معنى قول المصنف: (ولا جابر للمعصية في ضده) والآية محمولة على ما يجب إتمام البر فيه، أو على ما يستوي فيه الحنث يؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤].

وقيل: راعوها بالبر؛ لأن حفظ الشيء مراعاته، وهو الصحيح كذا في أحكام القرآن.

<<  <  ج: ص:  >  >>