للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أَنَّهَا كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَالكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ تَتَأَدَّى بِالصَّومِ، وَيُسْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ … ... … ...

فلو وجبت الكفارة لم تكن جزاءً لها، وما رُوي عن ابن عباس أن رجلين اختصما إلى رسول الله قال الطالب البينة ولم تكن له بينة فاستحلف المطلوب فحلف بالله الذي لا إله إلا هو فقال (١) : «بلى ولكن غفر لك بإخلاص قول لا إله إلا الله» (٢) كما هو مذهبنا.

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] رتب الكفارة على المعقودة، واليمين الغموس ليست معقودة؛ لاستحالة البر فيها، وإنما يعقدها للبر فقارنها ما ينافيها وهو الحنث فلم تنعقد، ووجه التمسك مع السنة وجواباتها مذكورة في الأصول.

ولأنه تعالى أمر بحفظ الأيمان بعد ما شرع الكفارة فيها بقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، والأمر بالحفظ إنما يتصور في المعقودة فدل على أنها خارجة عن الآية، ولأنها (كبيرة محضة) فلا تجب فيها الكفارة كسائر الكبائر.

وهذا لأن المشروعات ثلاثة أنواع: عبادة محضة وسببها محظور محض، وكفارات مترددة بين العبادة والعقوبة؛ ألا ترى أن (الكفارة تتأدى بالصوم) وهو عبادة محضة، وشرط لها النية كسائر العبادات، وهي لا تشترط في العقوبات ويفتي بها ويثاب عليها وكان سببها مترددًا بين الحظر والإباحة وذا في المعقودة؛ لأنها باعتبار تعظيم حرمة اسم الله تعالى مباح، وباعتبار هتك هذه الحرمة بالحنث محظور.

فأما الغموس فمحظور محض؛ لأن الكذب بدون الاستشهاد بالله تعالى محظور محض فمعه أولى؛ لأنه يروج الكذب باسم الله تعالى، وهو في نهاية الحظر فلا يصلح سببًا للكاره ولا تلزم الطهارة؛ لأنه لا يوجب الكفارة بنفسه؛ لأنه محظور ومحض بل باعتبار ضم العود الذي هو مباح إليه؛ لكونه إمساكًا بالمعروف عند الجمهور، ولا يلزم الإفطار في رمضان؛ لأن الكفارة إنما تجب


(١) كذا في الأصل والسياق بها مضطرب والذي في سنن أبي داود: (فسأل).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٢٨ رقم ٣٢٧٥) من حديث ابن عباس . وفي سنده عطاء بن السائب وهو ضعيف.

<<  <  ج: ص:  >  >>