جائحة حتى يصيب به سدادًا من عيش (١). كذا في تتمتهم (٢).
قوله:(لأن الأداء قارن الغنى)؛ إذ الحكم يقارن العلة، كما في الاستطاعة مع الفعل؛ ولهذا كره عندكم، وإيتاء الزكاة يستحيل أن يكون مكروها.
قلنا: وصف الغنى يثبت بالقبض، فإذا صادف الأداء وصف الفقر؛ فيصح لوجود المصرف، وهذا معنى قوله:(إن الغني حكم الأداء فيعقبه).
فإن قيل: قد ذكر في الأصول أن حكم العلة مقارن، ولا يتأخر عنها كما في العلة الحقيقية، فإن الاستطاعة مع الفعل عند أهل السنة، فكيف يصح قوله:(فيعقبه)؟
قلنا: معنى قوله: (أن الغنى حكم الأداء)؛ [أي: حكم حكم الأداء](٣)؛ لأن الأداء علة الملك، والملك علة الغنى مضافًا إلى الأداء بواسطة الملك، كالإعتاق في شراء القريب، فكان الأداء شبهة السبب الحقيقي مقدم على الحكم حقيقة، وما يشبه السبب من العلل له شبهة التقدم.
وفي الفوائد الظهيرية: الملك وإن قارن التمليك لكن الغنى يثبت عقيبه؛ لأن الغنى ما يقع الاستغناء به، وهو إنما يثبت عقيبه بالتمكن والاقتدار على التصرفات، وذلك مما يعقبه ولا يقترن به، ولأن حكم الشيء لا يمنع عليه، وإن كان إثباتها مع ثبوت حكمه، كالمطلقات الثلاث والإعتاق؛ فإن المطلقة الثلاث بحال لو طلقها، وكذا المعتق، ومع ذلك لا يمنعان عليهما، فلو كان الحكم مانعًا لما ثبت العلة في صورة، وهو معنى ما ذكره الإسبيجابي في مبسوطه: أنه تمليك من الفقير من كل وجه؛ لأنه حين وجد فعل التمليك، وكان المملك منه
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٧٧، رقم ١٠٤٤) من حديث قبيصة بن مخارق الهلالي مرفوعا: «يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا». (٢) تتمة الإبانة للمتولي (ص ٧٠٨). (٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.