للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالَ : وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الأَصْلِ خَيَّرَهُ، لِأَنَّ الثَّمَنَيْنِ فِي تَقْدِيرِ قِيمِ الأَشْيَاءِ بِهِمَا سَوَاءٌ، وَتَفْسِيرُ الْأَنْفَعِ أَنْ يُقَوِّمَهَا بِمَا يَبْلُغُ نِصَابًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُقَوِّمُهَا بِمَا اشْتَرَى إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ النُّقُودِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي مَعْرِفَةِ المَالِيَّةِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ النُّقُودِ قَوَّمَهَا بِالنَّقْدِ الغَالِبِ،

والثاني: ما روي عن أبي حنيفة أنه يقومها بأنفع النقدين للفقراء (١)، وهو قول أحمد (٢)؛ لأن المال في يد المالك في زمان طويل، وهو المنتفع به، فلابد من اعتبار منفعة الفقراء عند التقويم.

فإن قيل: في خلافه نظر المالك وحقه معتبر؛ ألا ترى أنه نهى عن أخذ كرائم الأموال في الزكاة، واشترط الحول فيها.

قلنا: المالك أسقط حقه بالاستنماء مدة الحول، فيؤثر حظ الفقراء بالتقويم بالأنفع؛ مراعاة للحقين بقدر الإمكان.

والثالث: قول أبي يوسف: أنه يقومها بما اشتراه، وبه قال الشافعي في وجه (٣).

(أنه أبلغ في معرفة المالية)؛ لأنه أظهر قيمته مرة بهذا النقد الذي وقع به الشراء، والظاهر أنه اشتراه بقيمتها، فكان هذا النقد أكثر تعريفا لقيمتها من نقد آخر، بخلاف ما لو اشتراها بعرض؛ فإنه لا يصلح تقويما للأشياء، وكذا لو ورثه، فوجب التقويم بغالب نقد البلد.

والرابع: ما قاله محمد، والشافعي في وجه: أنها تقوم بغالب نقد البلد (٤). (بالنقد الغالب)؛ أي: في البلد على كل حال، سواء اشتراها بأحد النقدين أو بغيره؛ لأن التقويم في حق الله تعالى معتبرًا بالتقويم في حق العباد، ومتى وقعت الحاجة إلى تقويم المغصوب والمستهلك؛ يقوم بنقد الغالب، فكذا هذا.


(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٢/ ١٩١)، وبدائع الصنائع للكاساني (٢/٢١).
(٢) انظر: الفروع لابن مفلح (٣/ ٤٦١)، والروض المربع للبهوتي (ص ٢١١).
(٣) انظر: البيان للعمراني (٣/ ٣١٩)، والمجموع للنووي (٦/ ٦٣).
(٤) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ٢٨٨)، والبيان للعمراني (٣/ ٣١٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>