فَإِنْ قِيلَ: ذَلِكَ التَّغَيُّرُ كَانَ يَسِيرًا؟ قِيلَ: وَهَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّهُ إنْ سَوَّى بَيْنِ التَّغَيُّرِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ مُطْلَقًا كَانَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ؛ وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا حَدٌّ مُنْضَبِطٌ لَا بُلْغَةٌ وَلَا شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ وَلَا عُرْفٌ وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِفَرْقِ غَيْرِ مَعْلُومٍ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ صَحِيحًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَانِعِينَ مُضْطَرِبُونَ اضْطِرَابًا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ أَصْلِ قَوْلِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْكَافُورِ وَالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ وَيَقُولُ: إنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ عَنْ مُجَاوَرَةٍ لَا عَنْ مُخَالَطَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ نَجِدُ فِي الْمَاءِ أَثَرَ ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَرَقِ الرَّبِيعِيِّ وَالْخَرِيفِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الْمِلْحَيْنِ: الْجَبَلِيِّ وَالْمَائِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا. وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا إجْمَاعٍ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ الْأَصْلُ الَّذِي تَفَرَّعَتْ عَلَيْهِ مَأْخُوذًا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﷾: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] وَهَذَا بِخِلَافِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَحْفُوظٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْقَوْلِ.
وَأَيْضًا. فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ مُوَافِقٌ لِلْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ؛ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالظَّوَاهِرِ وَالْمَعَانِي؛ فَإِنَّ تَنَاوُلَ اسْمِ الْمَاءِ لِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ كَتَنَاوُلِهِ لِمَوَارِدِ النِّزَاعِ فِي اللُّغَةِ وَصِفَاتُ هَذَا كَصِفَاتِ هَذَا فِي الْجِنْسِ فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ.
وَأَيْضًا. فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْمَانِعِينَ: يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ لِمُعَارِضِ رَاجِحٍ؛ إذْ كَانَ يَقْتَضِي الْقِيَاسُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute