وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِغَسْلِ الْمُحَرَّمِ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَأَمَرَ بِغَسْلِ ابْنَتِهِ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَأَمَرَ الَّذِي أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ السِّدْرَ لَا بُدَّ أَنْ يُغَيِّرَ الْمَاءَ فَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ يُفْسِدُ الْمَاءَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ هَذَا تَغَيُّرٌ فِي مَحَلِّ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا يُؤَثِّرُ: تَفْرِيقٌ بِوَصْفِ غَيْرِ مُؤَثِّرٍ لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ؛ فَإِنَّ الْمُتَغَيِّرَ إنْ كَانَ يُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا وَهُوَ عَلَى الْبَدَنِ فَيُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا وَهُوَ فِي الْإِنَاءِ. وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ مَاءً مُطْلَقًا فِي أَحَدِهِمَا لَمْ يُسَمَّ مُطْلَقًا فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يُفَرِّقُونَ فِي التَّسْمِيَةِ بَيْنَ مَحَلٍّ وَمَحَلٍّ.
وَأَمَّا الشَّرْعُ: فَإِنَّ هَذَا فَرْقٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
وَالْقِيَاسُ عَلَيْهِ إذَا جُمِعَ أَوْ فُرِّقَ: أَنْ يُبَيَّنَ أَنَّ مَا جَعَلَهُ مَنَاطَ الْحُكْمِ جَمْعًا أَوْ فَرْقًا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَإِلَّا فَمَنْ عَلَّقَ الْأَحْكَامَ بِأَوْصَافِ جَمْعًا وَفَرْقًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ: كَانَ وَاضِعًا لِشَرْعِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ شَارِعًا فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ. وَلِهَذَا كَانَ عَلَى الْقَائِسِ أَنْ يُبَيِّنَ تَأْثِيرَ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي جَعَلَهُ مَنَاطَ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ مِنْ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ هُوَ عِلَّةَ الْحُكْمِ. وَكَذَلِكَ فِي الْوَصْفِ الَّذِي فُرِّقَ فِيهِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ تَأْثِيرَهُ بِطَرِيقِ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ: لَا بُدَّ فِي الْعَادَةِ مِنْ تَغَيُّرِ الْمَاءِ بِذَلِكَ لَا سِيَّمَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ إذَا قَلَّ الْمَاءُ وَانْحَلَّ الْعَجِينُ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute