وكثافته ينعكس عليه الشعاع ما لا ينعكس على الهواء الرقيق ألا ترى أنَّ الشمس إذا طلعت إنَّما يظهر شعاعها على الأرض والجبال ونحو ذلك من الأجسام الكثيفة وإن كانت صقيلة كالمرآة والماء كان أظهر، وأمَّا الهواء فإنَّه وإن استنار بها فإنَّ الشعاع لا يقف فيه بل يخرقه إلى أن يصل إلى جسم كثيف فينعكس.
ففي الشتاء تكون الأبخرة في الليل كثيرة لكثرة ما يتصعد من الأرض بسبب رطوبتها ولا يحلل البخار فيها فينعكس الشعاع عليه فيظهر الفجر حينئذ قبل ما يظهر لو لم يكن بخار، وأمَّا الصيف فإنَّ الشمس بالنهار تحلل البخار فإذا غربت الشمس لم يكن للشعاع التابع لها بخار يرده فتطول في الصيف حصة العشاء بهذا السبب وتطول في الشتاء حصة الفجر بهذا السبب وفي الصيف تقصر حصة الفجر لتأخر ظهور الشعاع إذ لا بخار يرده لأنَّ الرطوبات في الصيف قليلة وتقصر حصة العشاء في نهار الشتاء لكثرة الأبخرة في الشتاء فحاصلة أن كلا من الحصتين تتبع ما قبلها في الطول والقصر بسبب البخار لا بسبب فلكي.
والذين ظنوا أنَّ ذلك يكون عن حركة الفلك قدروه بذلك فغلطوا في تقديرهم وصاروا يقولون حصة الفجر في الشتاء أقصر منها في الصيف وحصة العشاء في الصيف أقصر منها في الشتاء فإنَّ هذه جزء من الليل وهذه جزء من النهار فتتبعه في قدره ولم يعرفوا الفرق بين طلوع الشمس وغروبها وبين طلوع شعاعها فإنَّ الشمس تتحرك في الفلك فحركتها تابعة للفلك والشعاع هو بحسب ما يحمله وينعكس عليه من الهواء الأبخرة وهذا أمر له سبب أرضي ليس مثل حركة الفلك.