قيل: أمَّا قوله: "يجزئك"، فهو بمعنى يكفيك، فهو من الرباعي، وليس من "جزى عنه" إذا قضى عنه، يقال: أجزأني: إذا كفاني، وجزى عني: إذا قضى عني، وهذا هو الذى يستعمل في الواجب، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة في الأضحية:"تجزي عنك ولن تجزى عن أحد بعدك" والكفاية تستعمل في الواجب والمستحب.
وأمَّا منعه من الصدقة بما زاد على الثلث، فهو إشارة منه عليه بالأرفق به، وما يحصل له به منفعة دينه ودنياه، فإنَّه لو مكنه من إخراج ماله كله لم يصبر على الفقر والعدم، كما فعل بالذي جاءه بالصرة ليتصدق بها، فضربه بها، ولم يقبلها منه خوفاً عليه من الفقر، وعدم الصبر. وقد يقال وهو أرجح إن شاء الله تعالى: إنَّ النبي ﷺ عامل كل واحد ممن أراد الصدقة بماله بما يعلم من حاله، فمكن أبا بكر الصديق من إخراج ماله كله، وقال:"ما أبقيت لأهلك"؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فلم ينكر عليه، وأقر عمر على الصدقة بشطر ماله، ومنع صاحب الصرة من التصدق بها، وقال لكعب:"أمسك عليك بعض مالك"، وهذا ليس فيه تعيين المخرج بأنَّه الثلث، ويبعد جداً بأن يكون الممسك ضعفي المخرج في هذا اللفظ، وقال لأبي لبابة:"يجزئك الثلث"، ولا تناقض بين هذه