صيغته صيغة الخبر عن الماضي فهو إنشاء لأمر حاضر. وهذان وإن كان لفظهما لفظ الخبر عن المستقبل فهما إنشاء للإرادة والطلب فإذا كان وعد وجب فسمي خلفه كذباً كما قال لمن قال: ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وإذا كان وعيداً لم يجب إنفاذه لتضمنه معنى بيان الاستحقاق. وعلى هذا فيجوز نسخ الوعيد كما ذكره السلف في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، وأمَّا الوعد بعد الاستحقاق فلا يجوز نسخه لأنَّه موجب المشروط.
وأمَّا قبل العمل فيتوجه جواز نسخه كفسخ التعليقات الجائزة غير اللازمة من الجعالة ونحوها؛ فإنَّه إذا قال: من رد عبدي الآبق فله درهم. فله فسخ ذلك قبل العمل. والفسخ كالنسخ. هذا فسخ لإنشاءات هي العقود المتضمنة التزام إرادة له أو عليه وهذا فسخ لطلب أيضاً. وكما أنَّ المتصور في الفسخ أنَّه رفع الحكم الذي هو الطلب أو الإذن فالفسخ رفع الحكم الذي هو الإرادة أو الإباحة وكذلك الوعد والوعيد رفع الحكم الذي هو إرادة الإعطاء أو الإباحة. فهذا كله إنَّما كان لأنَّ من الكلام ما تضمن معنى الطلب والخبر وهو الأيمان والنذور والوعد والوعيد والعقود. فهذا القسم الثالث المركب هو الذي اضطرب الناس