وأمَّا المأخذ الثاني: وهو أنَّ عتقها أوجب للزوج عليها ملك طلقة ثالثة، فمأخذ ضعيف جداً، فأي مناسبة بين ثبوت طلقة ثالثة، وبين ثبوت الخيار لها؟ وهل نصب الشارع ملك الطلقة الثالثة سبباً لملك الفسخ، وما يتوهم من أنَّها كانت تبين منه باثنتين فصارت لا تبين إلَّا بثلاث، وهو زيادة إمساك وحبس لم يقتضه العقد فاسد، فإنَّه يملك ألا يفارقها ألبتة، ويمسكها حتى يفرق الموت بينهما، والنكاح عقد على مدة العمر، فهو يملك استدامة إمساكها، وعتقها لا يسلبه هذا الملك، فكيف يسلبه إياه ملكه عليها طلقة ثالثة، وهذا لو كان الطلاق معتبراً بالنساء، فكيف والصحيح أنَّه معتبر بمن هو بيده وإليه، ومشروع في جانبه.
وأمَّا المأخذ الثالث: وهو ملكها نفسها، فهو أرجح المآخذ وأقربها إلى أصول الشرع، وأبعدها من التناقض، وسر هذا المأخذ أنَّ السيد عقد عليها بحكم الملك حيث كان مالكاً لرقبتها ومنافعها، والعتق يقتضى تمليك الرقبة والمنافع للمعتق، وهذا مقصوده وحكمته، فإذا ملكت رقبتها، ملكت بضعها ومنافعها، ومن جملتها منافع البضع، فلا يملك عليها إلَّا باختيارها، فخيرها الشارع بين أن تقيم مع زوجها، وبين أن تفسخ نكاحه، إذ قد ملكت منافع بضعها، وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة، أنَّه ﷺ قال لها:"ملكت نفسك فاختاري".