والثاني: العمل الباطن وهو إخلاص الدين لله، فقوله:"من عمل عملاً" إلخ، ينفي التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به أمر إيجاب، أو أمر استحباب.
وقوله:"إنَّما الأعمال بالنيات" إلخ يبين العمل الباطن، وأنّ التقرب إلى الله إنَّما يكون بالإخلاص في الدين لله، كما قال الفضيل في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: أخلصه، وأصوبه قال: فإنَّ العمل إذا كان خالصاً، ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة.
وعلى هذا دل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ فالعمل الصالح: هو ما أمر الله به، ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب، وأن لا يشرك العبد بعبادة ربه أحداً وهو إخلاص الدين لله.
وكذلك قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا (١٢٥)﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾، فإنَّ إسلام الوجه لله يتضمن إخلاص العمل لله، والإحسان: هو إحسان العمل لله، وهو: فعل ما أمر به فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾، فإنَّ الإساءة في العمل الصالح تتضمن الاستهانة بالأمر به، والاستهانة بنفس العمل والاستهانة