قُلْتُ: ومن اشترط هذا الشرط فقد نظر إلى المعنى الذي من أجله ورد الحديث، وهو رفع الضرر عن المشترين، وهذا إنَّما يكون فيما يحتاجه الناس فإنَّه لا ضرر عليهم فيما لا يحتاجون إليه غالباً.
وقد نقد ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِرِيَاضِ الصَّالِحِيْنَ](٤/ ٤٢٥): «واستنبط بعض العلماء من العلة أنَّه لابد أن تكون السلعة هذه للناس بها حاجة يعني مما تتعلق به حوائج الناس وأمَّا الشيء الذي لا يحتاجه الناس إلَّا نادراً فلا باس، لكن هذا الاستنباط ضعيف. والصواب أنَّه لا فرق بين السلعة التي يحتاجها الناس والسلعة التي لا يحتاجونها إلَّا نادراً» اهـ.
قُلْتُ: وقد قرر الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ مذهب الإمام مالك ﵀ في ذلك فقال في [الْمُفْهِم](١٤/ ٢٠):
«وحمله مالك على أهل العمود من بعد منهم عن الحضر، ولا يعرف الأسعار، إذا كان الذي جلبوه من فوائد البادية بغير شراء. وإنَّما قيده مالك بهذه القيود نظرًا إلى المعنى المستفاد من قوله ﷺ:"دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض". وذلك: أنَّ مقصوده أن يرتفق أهل الحاضرة بأهل البادية، بحيث لا يضر ذلك بأهل البادية ضررًا ظاهرًا. وهذا لا يحصل إلَّا بمجموع تلك القيود.
وبيانه: أنَّهم إذا لم يكونوا أهل عمود كانوا أهل بلاد وقرى، وغالبهم يعرف الأسعار. وإذا عرفوها صارت مقاديرها مقصودة لهم. فلهم أن يتوصلوا إلى تحصيلها بأنفسهم أو بغيرهم. وإذا كان الذي جلبوه عليهم بالشراء فهم تجار